المرأة

اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بالمرأة علمياً

اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بالمرأة علمياً

لقد حظيت المرأة في الإسلام بمكانة سامية ومنزلة عالية ، أكرمها أماً وزوجة وبنتاً وأختاً ، رفع ذكرها وأعلى شأنها وأهتم بأمرها ، وبلغ صوتها عنان السماء ، فأنزل فيها قرآناً يتلى ،وأثبت للعالم ، أن المرأة مخلوق له قيمة مهمة ، وكيان قائم ، ونفس محترمة ، وعقل واع ، وقلب حاضر .

جاء الإسلام ممثلاً في شخص الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم فاعتنى بالمرأة أي عناية ، واهتم بها أعظم اهتمام ، فساهم في تربيتها الإيمانية والعلمية والاجتماعية ، لتصبح لها مكانة سامقة ، وتكون قائدة رائدة ، فجعلها شقيقة الرجل في العلم والعمل والدعوة والتبليغ ، وكما أهتم صلى الله عليه وسلم بتعليم الرجال ، أهتم بالنساء فوعظهن وعلمهن وحث على تعليمهن وتفقههن ، ويتمثل ذلك الاهتمام في أمور منها :

وعظه صلى الله عليه وسلم للنساء وتعليمه لهن :

روى الإمام البخاري في صحيحه ، باب” موعظة الإمام النساء يوم العيد ” : قَالَ : ذَكَرَ ابْنُ جُرَيْجٍ , قَالَ : أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ , أَنَّهُ قَالَ : أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم  ” قَامَ يَوْمَ الْفِطْرِ ، فَصَلَّى فَبَدَأَ بِالصَّلاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ ، ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ بَعْدُ ، فَلَمَّا فَرَغَ نَزَلَ فَأَتَى النِّسَاءَ فَذَكَّرَهُنَّ وَوَعَظَهُنَّ ، وَهُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى يَدِ بِلالٍ ، قَالَ : وَبِلالٌ بَاسِطٌ ثَوْبَهُ يُلْقِي فِيهِ النِّسَاءُ الصَّدَقَةَ ” .وقال ابن جريج لعطاء:أترى حقاً على الإمام ذلك يُذكرهن؟ قال :إنه لحق عليهم ،ومالهم لا يفعلونه!”

فالنساء شقائق الرجال في التكليف فمن الواجب تعليمهن وتعلمهن ،وقد علمهن رسول الله صلى الله عليه وسلم  ، وأقرهن على طلب التعلم ، وخصهن بالحديث والتذكير ، وهذا يعتبر من الدعم المعنوي الذي حظيت به المرأة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مما يجعلها مهيئة لتلقي العلم وتبليغه ونشره بين بنات جنسها . وهذا من كمال نصحه صلى الله عليه وسلم  وحرصه على تبليغ الشرع ، وبذله النصيحة للرجال والنساء . وهذا من حق الرعية على الراعي المسئول ، قال ابن حجر :” تعليم الأهل ليس مختصاً بأهلهن بل ذلك مندوب للإمام الأعظم ومن ينوب عنه ، واستفيد الوعظ من قوله ” فوعظهن ” ، واستفيد التعليم من قوله ” وأمرهن بالصدقة “.

وقال ابن بطال : “فيه أنه يجب على الإمام افتقاد أمور رعيته وتعليمهم ووعظهم، الرجال والنساء في ذلك سواء، لقوله عليه السلام: (الإمام راع ومسئول عن رعيته)، فدخل في ذلك الرجال والنساء”.

وكان التعليم في خصوصية تامة للنساء ، حيث أن النبي صلى الله عليه وسلم  بعد ما انتهى من خطبة الرجال ، انطلق نحو النساء ، كما في حديث ابن عباس (تم أتى النساء) ، قال ابن حجر  : “يشعر بأن النساء كن على حدة من الرجال غير مختلطات بهم “. وقال القاضي عياض  :” وفيه أن النساء إذا حضرن صلاة الرجال ومجامعهم يكن بمعزل عنهم ، خوفاً من فتنة أو نظرة أو فكر أو نحوه “.

إفرادهن بمجالس العلم :

روى الإمام البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري قالت النساء للنبي صلى الله عليه وسلم  غلبنا عليك الرجال فاجعل لنا يوما من نفسك فوعدهن يوما لقيهن فيه فوعظهن وأمرهن فكان فيما قال لهن ما منكن امرأة تقدم ثلاثة من ولدها إلا كان لها حجابا من النار فقالت امرأة واثنتين فقال واثنتين ” وفي رواية ” جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله ذهب الرجال بحديثك فاجعل لنا من نفسك يوما نأتيك فيه تعلمنا مما علمك الله فقال اجتمعن في يوم كذا وكذا في مكان كذا وكذا فاجتمعن فأتاهن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلمهن مما علمه الله ثم قال …. الحديث ” .

وهذا الحديث فيه فوائد جليلة وفرائد عزيزة ، ومنها :

اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم  بتعليم المرأة وإجابته لطلبهن بإفراد مجلس خاص بهن لتعليمهن وتذكيرهن . وترجم له البخاري فى كتاب العلم ” هل يجعل للنساء يوما على حده فى العلم” ، حرص الصحابيات على طلب العلم ، قال ابن حجر :” وفي الحديث ما كان عليه نساء الصحابة من الحرص على تعليم أمور الدين “. وتخصيص النساء بمجلس علمي خاص بهن ، بعيداً عن مجالس الرجال ، ويتكرر هذا المجلس بقدر الحاجة . قال ابن بطال: “وفيه سؤال النساء عن أمور دينهن، وجواز كلامهن مع الرجال في ذلك فيما لهن الحاجة إليه، وقد أخذ العلم عن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وعن غيرهن من نساء السلف”.  وفيه سؤال الطلاب العالم أن يجعل لهم يوما يسمعون فيه عليه العلم، وإجابة العالم إلى ذلك، وجواز الإعلام بذلك المجلس للاجتماع فيه .

حثه الرجل على تعليم أمته وأهله:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  :” ثلاثة لهم أجران : رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم  ، والعبد المملوك إذا أدى حق الله وحق مواليه ،ورجل كانت عنده أمة فأدبها فأحسن تأديبها ،وعلمها فأحسن تعليمها ،ثم أعتقها فتزوجها ،فله أجران” رواه البخاري  ، وترجم له (باب تعليم الرجل أمته وأهله) .فالحديث يحث المسلم على تعليم أمته وأهله سنن النبي وشرائع الإسلام.

قال ابن حجر :” مطابقة الحديث للترجمة في الأمة بالنص وفي الأهل بالقياس ، إذ الاعتناء بالأهل الحرائر في تعليم فرائض الله وسنن رسوله آكد من الاعتناء بالإماء” .

وهذا التوجيه النبوي الكريم يساهم في إعداد المرأة علمياً ، ويعزز لديها الشعور بالمسئولية التعليمية ، باعتبارها ممن يشارك في بناء المجتمع ، ويساهم في صناعة الأجيال .

والنبي صلى الله عليه وسلم  من أحرص الناس على تعليم أهله ، فعن الشفاء بنت عبد الله قالت : دخل عليّ النبي  صلى الله عليه وسلم  فقال:ألا تعلمين هذه رقية النملة كما علمتها الكتابة “. قال ابن القيم : ” في الحديث دليل على جواز تعليم النساء الكتابة “.

ومن لطيف الاستدلال على تعليم الرجل أهل بيته ، ما ذكره الألوسي في تفسيره عند قوله تعالى : (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَة )) قال : ” واستدل به على أنه يجب على الرجل تعلم ما يجب من الفرائض وتعليمه لهؤلاء ، وادخل بعضهم الأولاد في النفس ، لأن الولد بعض من أبيه ” .

حرصه صلى الله عليه وسلم  على حضور النساء مجامع العلم والخير :

جاء في الصحيحين عن أم عطية . قالت : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم  ، أن نخرجهن في الفطر والأضحى . العواتق والحيض وذوات الخدور . فأما الحيض فيعتزلن الصلاة ويشهدن الخير ودعوة المسلمين . قلت : يا رسول الله ! إحدانا لا يكون لها جلباب . قال : ” لتلبسها أختها من جلبابها ” .

وفي رواية ” لتلبسها صاحبتها من جلبابها فليشهدن الخير ” 0

فقوله ” لتلبسها صاحبتها من جلبابها فليشهدن الخير ” فيه دعوة صريحة للخروج للانتفاع من العلم ، وما هذا إلا لأهمية العلم ، وحرص المصطفى صلى الله عليه وسلم  على تعليم النساء 0

وهكذا كانت الأعياد فرصة لسماع الخير والذكر ، ومظهراً من مظاهر الحياة العلمية في ذلك العهد ، ومجالاً مفتوحاً لتبصير المرأة المسلمة بأمور دينها ، فكانت حاضرة فاعلة في مثل هذه المجالس ، بل حتى الحائض لم يمنعها عذرها من الحضور ، ولا يعارض ذلك استفادتها وشهودها الخير ودعوة المسلمين .

قال ابن حجر ” وفيه أن الحائض لا تهجر ذكر الله ولا مواطن الخير كمجالس العلم والذكر سوى المساجد” ، فحرص النبي صلى الله عليه وسلم  على حضور حتى الحيض ، لتتفقه وتتعلم أحكام دينها ، وترجم لذلك البخاري بقوله ” باب شهود الحائض العيدين ودعوة المسلمين “.

ومما يدل على أهمية ذلك الحضور ، وأثره على تكوين الملكة العلمية لدى المرأة ، ما جاء في حديث أم هشام بنت حارثة عن النبي صلى الله عليه وسلم  أنه كان يخطب بالقرآن، فقالت : ” وما أخذت ( ق والقرآن المجيد ) إلا عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقرؤها كل يوم جمعة على المنبر ، إذا خطب الناس ” رواه مسلم 0

فمن خلال تردد هذه الصحابية الجليلة على بيوت الله ، استطاعت تعلم هذه السورة وفهمها .

وهذا الحديث يبين عناية النبي صلى الله عليه وسلم  وحرصه على حضور النساء مجامع الخير ومجالس العلم ، فالصلاة تشمل الخطبة ، وهي باب من أبواب العلم ، ومفتاح من مفاتيح التربية والتوجيه ، حيث يكون الخطاب عاماً يحضره جميع شرائح المجتمع ، بل لم يكن هناك عذر لمن لا تجد جلباباً إما لفقرها أو لعدم حاجتها للخروج كالمخدرات في ذلك الوقت ، فأمر أن تلبسها أختها من جلبابها من باب التعاون على الخير .

وقد تميزت أم عطية برواية هذا الحديث وتفردت به وأفتت بموجبه ، قال ابن حجر:” وقد أفتت به أم عطية بعد النبي صلى الله عليه وسلم  بمدة كما في هذا الحديث ، ولم يثبت عن أحد من الصحابة مخالفتها في ذلك “.

حرص النبي صلى الله عليه وسلم  على تعليم نسائه ووعظهن حتى في الليل :

عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم  ذات ليلة فقال: سبحان الله ماذا أنزل الليلة من الفتن، وماذا فتح من الخزائن 0 أيقظوا صواحبات الحجر، فرب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة ” رواه البخاري ، وترجم له ( باب العلم والعظة بالليل ) 0

قال ابن حجر : ” أي تعليم العلم بالليل ، والعظة تقدم أنها الوعظ ، وأراد المصنف التنبيه على أن النهي عن الحديث بعد العشاء مخصوص بما لا يكون في الخير ” 0 ” وقوله ( صواحب الحجر ) إنما خصهن بالإيقاظ لأنهن الحاضرات حينئذ ، أو من باب ” ابدأ بنفسك ثم بمن تعول ” .

وقال :” وَأَشَارَ صلى الله عليه وسلم    بِذَلِكَ إِلَى مُوجِب إِيقَاظ أَزْوَاجه ، أَيْ : يَنْبَغِي لَهُنَّ أَنْ لَا يَتَغَافَلْنَ عَنْ الْعِبَادَة وَيَعْتَمِدْنَ عَلَى كَوْنهنَّ أَزْوَاج النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم  )) .

ومن فوائد الحديث ” إيقاظ الرجل أهله بالليل لا سيما عند آية تحدث، وتحذير العالم من يأخذ عنه من كل شيء يتوقع حصوله، والإرشاد إلى ما يدافع ذلك المحذور “0

النبي صلى الله عليه وسلم  هو المعلم القدوة ، حرص على تعليم أهله ، كما حرص على تعليم نساء المسلمين ، فهن أولى من يحظى بذلك ، وأسعد من يشرف بعنايته واهتمامه . وبفضل هذه الرعاية الأهلية النبوية ، تخرجن أمهات المؤمنين ، عالمات فقيهات ، فكان لهن السبق في تبليغ الدين ، ونشر السنة النبوية بين الناس ، فكانت حجراتهن مقصداً لطلاب العلم ، يأتيهن السائل والمستفتي وصاحب الحاجة ، فيجد بغيته وتقضى حاجته ، ومن فضل الله على هذه الأمة تعدد أزواج النبي صلى الله عليه وسلم  ، فتنوع العلم وتعددت المسائل العلمية التي نقلت عنهن .

مواد متعلقة بالمقال

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق
إغلاق