أسطورة لا تشيخ: هابل يواصل ثورة الفلك في عامه الـ35

أسطورة لا تشيخ: هابل يواصل ثورة الفلك في عامه الـ35

يحتفل تلسكوب هابل بمرور 35 عاماً على إطلاقه، ولا يزال يقدم اكتشافات حصرية يعجز عنها حتى تلسكوب جيمس ويب، خاصة في نطاق الأشعة فوق البنفسجية.

الولايات المتحدة

في عالم التكنولوجيا، يُعتبر مرور خمس وثلاثين عاماً دهراً كاملاً، حيث تصبح الأجهزة عتيقة وغير صالحة للاستخدام. ولكن في مدارنا الأرضي المنخفض، يكسر «تلسكوب هابل الفضائي» هذه القاعدة بامتياز. فبعد ثلاثة عقود ونصف من إطلاقه، لا يزال هذا المرصد المخضرم -الذي يضاهي حجمه حافلة مدرسية- يقدم للبشرية اكتشافات فلكية من العيار الثقيل، مثبتاً أنه ليس مجرد قطعة من تاريخ الفضاء، بل أداة علمية لا غنى عنها حتى في عصر التلسكوبات الحديثة.

ما زال في جعبته الكثير: اكتشافات تتحدى الزمن

قد يظن البعض أن «هابل» يستعد للتقاعد، لكن البيانات الأخيرة تثبت عكس ذلك. فخلال العام الماضي فقط، مكّن هذا المرصد العلماء من تأكيد وجود أول ثقب أسود وحيد (غير مرتبط بنجم)، وكشف عن صخور فضائية جديدة نتجت عن مهمة «دارت» (DART) التابعة لناسا لاختبار تغيير مسار الكويكبات، بل وحدد بدقة مصدر دفقات راديوية سريعة غامضة وشديدة الكثافة.

صورة تظهر خطاً أبيض منقطاً يمتد عبر خلفية سوداء، ينتهي بكتلة داكنة تشبه شكل مذنب.
في عام 2010، كشف هابل عن الجسم (P/2010 A2)، وهو كويكب غريب ذو ذيل يشبه المذنبات، تبين أنه نتاج اصطدام بين كويكبين، وهي المرة الأولى التي يرصد فيها العلماء آثار مثل هذا التصادم.

تُعد هذه النتائج شهادة حية على أن «هابل» لا يزال يمتلك جدول أعمال مزدحماً بالعلم. حتى تاريخه، رصد التلسكوب أكثر من 100 مليون جرم سماوي، تتراوح بين المذنبات في نظامنا الشمسي إلى النجوم المحتضرة في مجرة درب التبانة، وصولاً إلى المجرات السحيقة التي تشكلت بُعيد الانفجار العظيم. وقد استند الباحثون إلى بياناته لكتابة أكثر من 21,000 ورقة بحثية محكمة، مما يجعله -ببساطة- أصلاً علمياً هائلاً، وفقاً لبيتر سينشينا، عالم الفلك في مراصد كارنيجي للعلوم.

سيد الأشعة فوق البنفسجية: ما لا يراه «جيمس ويب»

منذ إطلاقه عام 1990، يحلق هابل على ارتفاع 515 كيلومتراً فوق سطح الأرض، مما يمنحه رؤية صافية للكون بعيداً عن التشويش الذي يسببه غلافنا الجوي. لكن الميزة الحاسمة التي تفرقه عن غيره هي قدرته على رصد «الأشعة فوق البنفسجية» (UV). هذا النطاق من الطيف الكهرومغناطيسي ضروري لفهم الأجرام السماوية ذات الحرارة الهائلة التي تصل لعشرات الآلاف من الدرجات المئوية، مثل النجوم العملاقة والمناطق المضطربة حول الثقوب السوداء.

عنقود نجمي كثيف يضم نجوماً حمراء وبيضاء وزرقاء أمام سحابة كونية خفيفة.
عنقود (NGC 1850) في سحابة ماجلان الكبرى. ساعدت قدرات هابل في الأشعة فوق البنفسجية العلماء على رصد النجوم الأحدث والأكثر سخونة في هذا التجمع النجمي الفتي.

وبينما يشتهر تلسكوب «جيمس ويب» الفضائي بقدراته الجبارة في نطاق الأشعة تحت الحمراء (لرصد المجرات البعيدة جداً والسحب الغبارية)، فإنه أعمى تماماً عن الأشعة فوق البنفسجية. أما التلسكوبات الأرضية، فلا يمكنها رصد هذا الضوء لأن غلافنا الجوي يحجبه (لحسن حظنا، حيث تحمينا هذه الطبقة من السرطانات). لذلك، يظل هابل هو العين البشرية الأفضل والأدق في هذا النطاق الطيفي، مكملاً لعمل «جيمس ويب» لا منافساً له.

إلهام يتجاوز البيانات: عندما يصبح العلم فناً

لا تقتصر عظمة هابل على الأرقام والرسوم البيانية؛ بل تمتد إلى الثقافة العامة. يقول جو ديباسكوالي، المطور البصري الرئيسي في معهد علوم تلسكوب الفضاء: «أنا آخذ البيانات من التلسكوب وأحولها إلى صور ملونة جميلة». تتطلب هذه العملية تصحيح البيانات الخام الملتقطة بأطوال موجية مختلفة وتنظيفها من تشوهات الأشعة الكونية.

سديم البحيرة بألوان زاهية من الأحمر والبرتقالي والأزرق مع نجوم متناثرة.
سديم البحيرة (Lagoon Nebula)، حاضنة للنجوم تبعد عنا 4000 سنة ضوئية. يظهر في الصورة الغبار والغاز يتشكلان بفعل نجم ضخم كتلته 30 ضعف كتلة الشمس.

هذه الصور ليست مجرد خلفيات للشاشات؛ بل هي وقود للفضول البشري. يتذكر الكثير من علماء الفلك اليوم كيف ألهمتهم صور هابل في طفولتهم، مثل مشهد ارتطام المذنب «شوميكر-ليفي 9» بالمشتري عام 1994. هذا الإلهام هو جزء جوهري من سبب استمرار تمويل هذه المراصد الكبرى.

جولة بصرية: أبرز محطات هابل التاريخية

على مدار 35 عاماً، وثق هابل أحداثاً كونية درامية، من ولادة النجوم إلى نهاياتها المأساوية. وفيما يلي بعض من أبرز المشاهد التي خلدها التلسكوب:

رقصة الأضواء على المشتري

صورة لكوكب المشتري تظهر أشرطة السحب المميزة، مع هالة زرقاء مضيئة عند القطب الشمالي.
شفق قطبي متوهج بالأشعة فوق البنفسجية عند القطب الشمالي للمشتري. كشف هابل أن المجال المغناطيسي القوي للكوكب يجعل هذا الشفق أكثر كثافة واستدامة مقارنة بما نراه على الأرض.

الارتطام الكوني العظيم

أربع صور متسلسلة للمشتري تظهر بقعة سوداء تتشكل وتتوسع ثم تنقسم.
في يوليو 1994، وثق هابل اصطدام شظايا المذنب «شوميكر-ليفي 9» بكوكب المشتري، تاركة ندوباً داكنة في غلافه الجوي، في مشهد أظهر عنف النظام الشمسي.

سكرات الموت النجمي

حلقات متراكزة من الضوء الأزرق المخضر تحيط بمركز متعدد الألوان يشبه الحشرة.
نجم يحتضر في مجرتنا يُعرف باسم «سديم الجعران» (Jewel Bug nebula)، يلفظ طبقات من الغاز والغبار. يُعتقد أن الأشكال المعقدة ناتجة عن وجود نجم مرافق يندمج مع النجم المحتضر.

العين السوداء المضطربة

مجرة حلزونية يتخللها شريط داكن من الغبار قرب مركزها المتوهج.
المجرة الحلزونية (NGC 4826)، الملقبة بـ«مجرة العين السوداء» بسبب شريط الغبار الداكن. الحركات المضطربة للغاز بداخلها مسؤولة عن ولادة نجوم جديدة تظهر باللون الأزرق.

ملء الفراغ الكوني

صورة مليئة بمئات المجرات الملونة بأشكال وأحجام مختلفة على خلفية سوداء.
حقل هابل العميق (1995): وجه العلماء التلسكوب نحو بقعة بدت فارغة تماماً للعين المجردة، ليكتشفوا آلاف المجرات التي لم تُرَ من قبل، مما غير فهمنا لتطور الكون.

مع حلول الذكرى الخامسة والثلاثين في 24 أبريل، سيبدأ هابل بمراقبة هدف جديد: قرص من الحطام يبعد 200 سنة ضوئية، ضمن دراسة للباحثة أويفي برينان من كلية الثالوث في دبلن. إن استمرار العلماء في التنافس على وقت الرصد عبر هابل (حيث تُقبل 20% فقط من المقترحات) يؤكد أن هذا التلسكوب العجوز لم يقل كلمته الأخيرة بعد، وأنه سيظل شريكاً أساسياً في سبر أغوار الكون لسنوات قادمة.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Stay informed and not overwhelmed, subscribe now!