إغاثة المزارعين.. هكذا أنقذت حملة “إحنا معكم” أجبان الفلسطينيين

0

حملة "احنا معكم" تقوم بتسويق وتوصيل منتجات المزارعين إلى المستهلكين (الجزيرة)

عاطف دغلس-الأغوار الشمالية 


بعين الألم والمعاناة كان محمد طوباسي يرقب حاله وجيرانه الذين ولج عليهم الليل وقد باتوا في همٍّ أصبحوا فيه أصلا بعد أن تكدست أطنان من الأجبان ولم يجدوا سوقا لها وأسعارا تعوضهم بؤسهم وشقاءهم، ووقع كثير منهم فريسة لتجار استغلوا تعطل الأسواق بفعل الإغلاق بالضفة الغربية منعا لتفشي فيروس كورونا.
 

يصل طوباسي (53 عاما) ليله بنهاره في هذا الوقت من كل عام ويقضي ساعات طويلة وعائلته في تصنيع الجبن المنزلي، فالآن “موسم التخزين” الذي اعتاده الفلسطينيون، وفرصته لبيع إنتاج يبلغ 100 كيلوغرام يوميا وسد احتياجاته، ونحو 400 رأس من الأغنام خاصته تستهلك قرابة نصف طن من الأعلاف يوميا. 

لكن سرعان ما تبدد خوف الرجل وقلقه بعد أن طرقت الإغاثة الزراعية بابه في منطقة الرأس الأحمر في الأغوار الشمالية عبر حملة “إحنا معكم” التي أطلقتها قبل أيام، لتسويق أجبان المزارعين وإنقاذهم من تغول التجار وبخس الأسعار مستغلين إغلاق الأسواق وحالة الشلل الاقتصادي. 

ويقول طوباسي في حديثه للجزيرة نت إن الإغلاق تزامن مع كثافة الإنتاج للأجبان -حيث تعد هذه الفترة “الماسية” من الموسم- وكاد أن يتسبب بـ”كارثة مالية” بعد أن تدنت الأسعار من نحو خمسة دولارات للكيلوغرام الواحد لصالح المزارع لنحو دولارين ونصف الدولار، مضيفا أن “الحملة انتشلتنا من قاع البئر”. 

ورغم ذلك اضطر طوباسي للبيع ولمرة واحدة بسعر متدن حين تكدست الكميات لديه، بينما وقع عشرات المزارعين في محيطه بالفخ وباعوا كميات كبيرة بأسعار متدنية، قبل أن تعود الأسعار لتتحسن نوعا ما بفعل حملة الإغاثة وإيجاد منافس للتجار زاد الطلب وخفف العبء عن المزارعين. 

فترة إغلاق الأسواق في الضفة الغربية تزامنت مع موسم كثافة الإنتاج للأجبان (الجزيرة)

الاحتلال واستغلال التجار 
وأعاق الإغلاق حركة التنقل بين القرى والمدن وصعب الوصول إلى المستهلك مباشرة وأدى لخسارة مضاعفة تمثلت في رخص أسعار الأجبان مقابل استمرار استهلاك الأعلاف مرتفعة الأسعار بنفس الوتيرة، مما تسبب بتضاعف خسارة المزارع. 

وخربة الرأس الأحمر حيث يقطن المزارع طوباسي أحد عشرات المواقع في الأغوار الفلسطينية التي يستهدفها الاحتلال على الدوام بالهدم والتهجير والتدريب العسكري، فخلال خمس سنوات هدم 500 منشأة زراعية وسكنية، وأخطرت مثلها بالهدم ووقف البناء. 

واستجابة لمناشدات المزارعين أطلقت الإغاثة الزراعية حملة “إحنا معكم” لإنقاذهم وتوفير سعر عادل لهم، وانطلقت من مناطق الأغوار الفلسطينية حيث النسبة الكبرى لمربي الماشية، واستهدفت تجمعات الفلسطينيين بمختلف مدن الضفة الغربية وقراها. 

ويقول رامي عبية مهندس الإنتاج الحيواني في الإغاثة الزراعية ومنسق الحملة إنهم عملوا كحلقة وصل بين المزارع والمستهلك، وهو ما رفع سعر الكيلوغرام الواحد من الجبن لأكثر من أربعة دولارات وارتفع معه حجم الطلب أيضا. 

وأظهرت تقديراتهم الأولية -وفق حديثه للجزيرة نت- حاجة السوق إلى طنين من الجبن، لكنهم تفاجؤوا بطلب أكثر من 12 طنا، وفروا أكثر من ثلثها حتى الآن. 

وتعتمد آلية الحملة على فحص الوزن والجودة والنقل السريع للأجبان لتصل المستهلك بأفضل أحوالها، ويقول عبية إن هذه الفترة (مارس/آذار وأبريل/نيسان) تصنف بأنها ذروة إنتاج الأجبان بحيث تشمل كمية الحليب خلالها أكثر من 60% من الإنتاج خلال الموسم. 

وتشير إحصاءات وزارة الزراعة إلى أن الفلسطينيين يمتلكون نحو 840 ألف رأس من الغنم والماعز تنتج قرابة 170 ألف طن من الحليب سنويا يذهب نصفها لرضاعة المواليد وما يتبقى يستخدم لصناعة الألبان والأجبان أو الشرب المباشر، كما يحوزون 24 ألف رأس من البقر الحلوب تنتج 165 ألف من الحليب سنويا والتي تذهب لتصنيع الجبن واللبن الرائب. 

وفي الأغوار الفلسطينية حيث تركزت حملة “إحنا معكم” تنتج 80 ألف رأس من الأغنام يملكها المزارعون هناك 20 طنا من الأجبان يوميا خلال الموسم وفق مدير الإغاثة الزراعية منجد أبو جيش، لكن المعضلة أن 70% من ناتج الثروة الحيوانية هو “مدخلات إنتاج”، بمعنى أنها تذهب نفقات للمواشي من طعام وعلاج. 

ومن أصل 280 ألف دونم (الدونم يعادل ألف متر مربع) هي مساحة الأراضي الزراعية في الأغوار الفلسطينية، يزرع الفلسطينيون منها 50 ألف دونم فقط، بينما يسيطر المستوطنون وحدهم على 27 ألف دونم. 

وأدت إجراءات الاحتلال العنصرية إلى تقليص مساحات الرعي والمناطق المخصصة لزراعة الأعلاف. 

الفلسطينيون يمتلكون 24 ألف رأس من البقر الحلوب (الجزيرة)

توازن السعر 
ويقول أبو جيش إن الحملة التي ستستمر شهرا كاملا آتت أكلها سريعا بإحداثها توازنا في السعر وإعادته لسابق عهده بعد الأيام الأولى من إطلاقها، كما وفرت سيولة نقدية للمزارع وزادت الكم المطلوب بفعل “الثقة” التي أوجدتها بين المزارع -الذي يدرك أن هدف الحملة لا يقوم على التجارة والربح- وبين المستهلك الذي يبحث عن جودة في المنتج. 

وساعد في نجاح حملة “إحنا معكم” وسعة انتشارها انخراط فروع الإغاثة الزراعية بمختلف المحافظات في عملية التسويق واعتمادها آلية توزيع تصل للمستهلك مباشرة، فضلا عن استهدافها منتجي الأجبان في القرى والبلدات وعدم اقتصارها على الأغوار. 

ويرجع مدير عام الإرشاد في وزارة الزراعة الفلسطينية صلاح البابا تدهور أسعار الأجبان إلى صعوبة الحركة بين مراكز الإنتاج والمستهلك بفعل حالة الطوارئ التي أوقفت الوضع الاقتصادي برمته، مشيرا إلى أن الأسعار بدأت تتعافى تدريجيا. 

وثمة أمل يلوح في الأفق بفضل حملة “إحنا معكم” عند المزارع محمد طوباسي والعشرات من أمثاله في الأغوار الفلسطينية، وهو ما سينجم عنه تعاون مستقبلي في إطار أوسع.  

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد