على بعد ساعات قليلة بالسيارة من الحدود الكندية، حيث تكسو الثلوج قمم الجبال عادة، لا تُعرف مقاطعة «ميسولا» في ولاية مونتانا بدرجات الحرارة الحارقة. ومع ذلك، فإن الطبيعة الجبلية لهذه المنطقة لم تعد تشكل درعاً واقياً؛ إذ باتت موجات الحر أكثر تواتراً وشراسة نتيجة لتغير المناخ، مما يثير قلق العلماء من أن كارثة حرارية قد تباغت فجأة نحو 120 ألف نسمة يعيشون هناك. ولا يعد هذا القلق نظرياً، فالتاريخ القريب يحمل ندوباً لا تُنسى: في عام 2021، باغتت موجة حر غير مسبوقة منذ ألف عام منطقة المحيط الهادئ الشمالي الغربي، مخلفة وراءها أكثر من 1400 ضحية، في درس قاسٍ حول تكلفة عدم الاستعداد.
عندما تنطفئ رادارات الإنذار المبكر
في مواجهة هذا الخطر المتصاعد، أدركت «آلي كين»، منسقة برنامج العمل المناخي في مقاطعة ميسولا، أن المنطقة ليست مستعدة لما هو قادم. ولتدارك الأمر، نجحت المقاطعة في يناير الماضي في الانضمام إلى مبادرة «المركز التعاوني لمراقبة الحرارة»، وهو شراكة فيدرالية تهدف لرسم خرائط تفصيلية للبؤر الساخنة داخل المجتمعات. كانت الخطة تقضي بحصول الفريق المحلي على تمويل وخبرات تقنية لتحديد أكثر الأحياء عرضة للخطر.
ولكن في مايو الماضي، وقع ما لم يكن في الحسبان؛ فقد تم إنهاء التمويل الفيدرالي للمركز بشكل مفاجئ. هذا القرار لم يكن مجرد إجراء بيروقراطي، بل كان بمثابة إطفاء لأجهزة الإنذار المبكر. تقول كين بحسرة: «نحن نعلم أن الحرارة هي القاتل الأول المرتبط بالطقس في جميع أنحاء الولايات المتحدة»، مشيرة إلى أن البيانات التي كان من المفترض جمعها هي «بيانات لإنقاذ الأرواح»، حيث كانت ستوفر صورة أدق بكثير مما تقدمه الأقمار الصناعية، مما يسمح بتوجيه الموارد إلى الفئات الأكثر ضعفاً.
القاتل الصامت والأرقام المفقودة
يأتي هذا التقليص في وقت تشهد فيه الأرض سنواتها الأكثر سخونة على الإطلاق، حيث كانت السنوات العشر الماضية هي الأدفأ في السجلات، وسجل العام الماضي رقماً قياسياً جديداً. وفي حين تشير تقديرات مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) إلى وفاة أكثر من 700 شخص سنوياً بسبب الحرارة في الولايات المتحدة، يرى الخبراء أن هذا الرقم لا يمثل سوى رأس جبل الجليد.
يوضح طارق بن مرهنية، عالم الأوبئة البيئية في جامعة كاليفورنيا سان دييغو، أن الوفيات المرتبطة بالحرارة غالباً ما يتم الإبلاغ عنها بشكل أقل من الحقيقة، مرجحاً أن تكون الحصيلة الفعلية أقرب إلى 15,000 حالة وفاة سنوياً. وهذا يتجاوز عدد الضحايا الناجم عن الفيضانات والأعاصير والزوابع مجتمعة. تقول كريستي إيبي، عالمة الأوبئة بجامعة واشنطن: «كل وفاة مرتبطة بالحرارة هي وفاة يمكن الوقاية منها نظرياً»، ولكن مع غياب البيانات والتمويل، فإن هذه الوقاية تصبح مستحيلة.
تفكيك البنية التحتية للبحث العلمي
لا يقف الأمر عند حدود ميسولا؛ فالمركز الذي تم إلغاء تمويله كان جزءاً من «النظام الوطني المتكامل لمعلومات صحة الحرارة» (NIHHIS)، الذي تأسس ليكون خط الدفاع الأول عبر توفير معلومات علمية لحماية السكان. هذا العام، تعرض النظام لضربات قاسية تمثلت في تخفيضات الميزانية وهجرة الكفاءات. وتؤكد جولي ترتانج، المديرة التنفيذية السابقة للنظام التي غادرت منصبها في أبريل، أن «القدرة على التخطيط المستقبلي والعمل طويل الأمد قد تلاشت تماماً».
ولم يسلم العمال من هذه التبعات؛ فقد طالت عمليات التسريح المعهد الوطني للسلامة والصحة المهنية (NIOSH)، وهو الكيان الفيدرالي الوحيد الذي يدرس تأثير الحرارة على العمال. ففي ربيع هذا العام، تم تسريح نحو 90% من العاملين في هذا المجال، مما ترك المعايير الفيدرالية الأولى لحماية العمال من الحرارة دون مدافعين حقيقيين عنها في جلسات الاستماع العامة.
ويشير الباحثون إلى أن هذه التخفيضات ليست عشوائية، بل تأتي في سياق سياسي أوسع يستهدف علوم المناخ والعدالة البيئية. ويضيف بن مرهنية أنه اضطر لإلغاء مشاريع بحثية حول تأثير الحرارة على المشردين وتقليص فريقه البحثي بشكل كبير. الأخطر من ذلك هو الرقابة الذاتية التي بدأت تتسرب للأوساط الأكاديمية، حيث يضطر الباحثون لتجنب مصطلحات مثل «المناخ» و«العدالة البيئية» في طلبات المنح لضمان قبولها، رغم استحالة فصل دراسات الحرارة عن هذه المفاهيم.
المجتمع المحلي يملأ الفراغ
رغم قتامة المشهد على المستوى الفيدرالي، رفض سكان ميسولا الاستسلام. ففي الثاني عشر من أغسطس، انطلق أسطول من 30 متطوعاً يجوبون المناطق الريفية والحضرية، مجهزين بمستشعرات لقياس الحرارة والرطوبة مثبتة على مركباتهم. تمكنت كين وزملاؤها من تأمين تمويل بسيط لسد جزء من الفجوة التي خلفها انسحاب التمويل الفيدرالي، مستعينين بخبرات استشارية خارجية.
لكن الجهود التطوعية، على نبلها، لا يمكنها تعويض غياب استراتيجية وطنية شاملة. تقول سوزان تيتلمان، أخصائية المرونة المناخية في منظمة محلية غير ربحية: «تأثيرات المناخ تضرب المجتمعات الضعيفة أولاً وبشكل أقسى. وعندما يُسحب التمويل الفيدرالي، تكون هذه الفئات هي المتضرر الأكبر».
في ظل هذا الواقع، يجد كبار العلماء أنفسهم أمام مسؤولية أخلاقية جسيمة للحفاظ على شعلة البحث متقدة. يختتم بن مرهنية حديثه بنبرة تحمل الإصرار والقلق معاً، مؤكداً أن المسؤولية تقع الآن على عاتق العلماء المخضرمين للاستمرار مهما كانت الظروف، لأن البديل هو ترك المجتمع يواجه مصيره منفرداً أمام عدو لا يرحم.



