العالم تحت رمال مصر
[wpcc-script type=”779e87e83294c14f6b96f79c-text/javascript”]

لعلّ بين طرائف علم المصريات Egyptology وفي جانبه الأهمّ الذي يخصّ الآثار والفرعونيات، أنّ أوّل مَنْ خاض غماره، بمعنى المغامرة على وجه الدقة، لم يكن فرنسياً أو بريطانياً؛ قياساً على تجربتَي الاستعمار اللتين خضعت لهما مصر من جانب فرنسا وبريطانيا. ذلك «الرائد» كان القبطان والمستكشف الدنماركي فردريك لويس نوردن (1708- 1742) الذي قام برحلة إلى مصر والسودان خلال أشهر 1737 و1738 وكُلّف من ملك الدنمارك كريستيان السادس بعقد اتفاقية تجارية مع الحبشة. ولقد وضع مشاهدات وملاحظات وهوامش كثيفة، طُبعت بعد وفاته في كتاب صدر بأمر من الملك سنة 1755 تحت عنوان «رحلات في مصر والنوبة»؛ تضمن أيضاً رسومات إيضاحية بريشة الفنان الألماني/ الدنماركي كارل ماركوس توشر، كانت الصور الأبكر، والبعض اعتبرها الأدقّ في عهدها، للكثير من المعالم الأثرية المصرية، خاصة الأهرامات.
انجذاب الغرب إلى مصر القديمة ليس ابن عصور الأنوار أو الاستكشاف أو الاستعمار فقط، بل يعود إلى قدماء الغريق ولم تغب عنه شهية الفتح والإخضاع، إلى جانب شهوات الشرق وسحر الرومانس والأخيلة الحسية، غير بعيد عن التجارة والاستثمار ونهب الثروات
غير أنّ تلك الرسوم اعتمدت على مخيّلة نوردن بالطبع، لأنّ الرسام لم يطأ أرض مصر؛ كما انبثقت مضامينها من قراءات توشر عن الشرق، فضلاً عن تخيلات الأخير الذاتية التي كان محتماً أن تقارب الموضوع من المنطلقات الاستشراقية ذاتها التي كانت سائدة في أوروبا تلك الحقبة. على سبيل المثال، اللوحة التي تتصدر الكتاب تلتقط امرأة أوروبية متوّجة، تحمل صولجاناً ملكياً، يحلّق فوق رأسها ملاك طائر ينفخ في بوق؛ خلفها لوحة حروف هيروغليفية، وتمثال يوحي بشخصية كليوباترا، وعلى الأرض مجسّمات فرعونية مختلفة؛ والمصري في اللوحة رجل أسود البشرة، شعره يحيل إلى رأس ميدوزا ذي الثعابين، يمتطي تمساحاً (نعم!) وإلى يمينه طائر بجع يفرد جناحيه؛ وأمّا الشرح فيقول: «أوروبا المستنيرة تكشف اسرار حضارة إكزوتيكية، متدهورة، ومُخضَعة»…
مناسبة الحديث عن نوردن وتوشر، هنا، هي كتاب جديد صدر مؤخراً بعنوان «عالم تحت الرمال: العصر الذهبي لعلم المصريات» وقّعه البريطاني توبي لكنسن الذي سبق له أن زوّد مكتبة المصريات بأعمال متميزة مثل «صعود وسقوط مصر القديمة» و«حيوات المصريين القدماء» و«النيل: رحلة نهرية في مصر الماضي والحاضر». فصوله تذهب أبعد من الغوص تحت الرمال، بالطبع، لأنّ لكنسن يرصد تلك الهستيريا الأركيولوجية الجامحة التي هيمنت على عقول رجالات الاستعمارّين الفرنسي والبريطاني، ليس في مستوى الآثاريين أو المؤرخين أو العلماء عموماً فحسب؛ بل كذلك في خطط الساسة والجنرالات والصناعيين والمستثمرين، وهذا تفصيل غير مفاجئ بأية حال. المثال الأبرز هو حجر رشيد، الذي عثر عليه الضابط الفرنسي بيير ـ فرانسوا بوشار في إحدى قلاع مدينة رشيد، سنة 1799 أثناء الحملة الفرنسية على مصر؛ لكنّ هذه الدرّة الآثارية لم تُرسل في نهاية المطاف إلى متحف اللوفر الفرنسي، بل إلى المتحف البريطاني؛ لأنّ جيش المتحف الثاني هزم جيش المتحف الأوّل بعد سنة أعقبت العثور على الحجر، وأُجبر الناهب المنهزم على تسليم جميع منهوباته الآثارية إلى الناهب المنتصر.
تبقّى للفرنسيين «شرف» الزعم بأنّ الباحث الفرنسي في اللغات القديمة، جان ـ فرانسوا شامبليون، هو الذي فكّ شيفرة الحجر؛ الأمر الذي أبطلته الأبحاث اللاحقة حين اتضح أنّ قصب السبق في فكّ شيفرات اللغتين القديمتين إنما يعود إلى عالِم مسلم يدعى أبو بكر أحمد بن علي بن وحشية النبطي! والرجل، الذي عاش خلال أطوار الازدهار في عهد الخليفة عبد الملك بن مروان، وضع كتاباً بعنوان «شوق المستهام في معرفة رموز الأقلام» احتوى على شرح وتصنيف لأكثر من 80 أبجدية قديمة ومعاصرة؛ بينها أبجديات السريان والهرامسة والفراعنة والكنعانيين والكلدانيين والنبط والأكراد والكسدانيين والفرس والقبط، فضلاً عن الكوفي السوري، والمغربي الأندلسي، والهندي…
ثمة باحثون علماء، إذن، وثمة أوغاد لصوص استطراداً؛ يقول أحد فصول كتاب لكنسن، ويستعرض الفارق بين آثاريين يحدوهم هاجس المعرفة والاكتشاف وتكريم التاريخ، من منطلق كبير أوّل هو حبّ مصر وحضارتها؛ وبين صنف آخر من ناهبي الكنوز، الآثاريين بدورهم، لا يحرّكهم في المقام الأوّل سوى سرقة التاريخ ونقله إلى متاحف الغرب. ثمة، أيضاً، مطامح إمبريالية، كما يقول عنوان فصل آخر، تتجاوز التنافس الفرنسي – البريطاني تحت رمال مصر وعلى كثبانها وسهولها؛ فتضع ألمانيا في قلب الهستيريا ذاتها، وإنْ على ركائز مختلفة ذات صلة بوضع الدولة والمؤسسة والكنيسة. فمن المعروف أنّ الخلفيات الكاثوليكية التي حرّمت دراسة الثقافات غير المسيحية عموماً وحكمت المطامع الآثارية الألمانية خصوصاً، كانت قد استثنت علم المصريات من الرقابة الدينية، لأسباب تخصّ موقع مصر التوراتي. يتجلى ذلك بوضوح في الضوء الأخضر الذي منحه فلهلم الثاني للمستشرقين الألمان، أواخر القرن التاسع عشر؛ وفي خطبة رئيس «الحزب التقدمي» الألماني رودولف فيرشوف أمام البرلمان البروسي، سنة 1898 حين أعلن أنّ على ألمانيا توطيد مواقعها في ميدان المصريات، «على قدم المساواة مع الأجانب».
والحال أنّ انجذاب الغرب إلى مصر القديمة ليس ابن عصور الأنوار أو الاستكشاف أو الاستعمار فقط، بل يعود إلى قدماء الغريق ولم تغب عنه شهية الفتح والهيمنة والإخضاع، إلى جانب شهوات الشرق وسحر الرومانس والأخيلة الحسية الجنسية، غير بعيد عن التجارة والاستثمار ونهب الثروات كافة. ولا غرابة، كما يستنتج لكنسن، أنّ مبتدأ علم المصريات كان «صناعة يد الإمبريالية» على نحو كان قيصر روما نفسه سيعترف به ويسنّ قوانينه!


