تنانير كونية: اكتشاف آلاف المجرات ذات الحلقات القطبية

تنانير كونية: اكتشاف آلاف المجرات ذات الحلقات القطبية

في كشف فلكي مثير، رصد العلماء آلاف المجرات التي تخالف قواعد الدوران المألوفة وتمتلك هياكل عمودية غريبة. الدراسة الجديدة تعتمد على بيانات مسح DESI وتعود بذاكرة الكون إلى 11 مليار سنة.

Share your love

United States

تخيل حفلاً راقصاً في العصر الفيكتوري، حيث تدور الراقصات بفساتين واسعة ذات أطواق دائرية بارزة؛ قد يبدو هذا تشبيهاً غريباً لوصف الأجرام السماوية، ولكن في أعماق الكون، توجد مجرات ترتدي بالفعل ما يشبه “التنانير الكونية”. هذه المجرات لا تكتفي بقرصها الرئيسي من النجوم والغاز، بل تحيط نفسها بحلقات هائلة تدور بشكل عمودي على جسدها المركزي، في مشهد يخالف المألوف الفيزيائي. وبينما كان الفلكيون يعتقدون لسنوات أن هذه التشكيلات نادرة للغاية، كشفت مسوحات كونية حديثة أن السماء تضج بآلاف من هذه المجرات الغامضة التي قد تعيد كتابة فهمنا لتطور الكون.

من العشرات إلى الآلاف: قفزة في الاكتشاف

لسنوات طويلة، ظلت “المجرات ذات الهياكل القطبية” (Polar Structure Galaxies) مجرد حالات شاذة في الفهارس الفلكية، حيث لم يُرصد منها سوى بضع مئات حتى عام 2024. ولكن المشهد تغير جذرياً عندما وقف الفلكي جاكوب غيريت، من جامعة بريغهام يونغ، أمام الجمعية الفلكية الأمريكية ليعلن عن اكتشاف مذهل.

صورة تلسكوبية لمجرة NGC 660 تظهر قلباً مضيئاً تحيط به حلقة مائلة من الغاز والنجوم
تُعد المجرة NGC 660 مثالاً نموذجياً للمجرات ذات الحلقات القطبية، حيث يظهر حزام من النجوم والغاز يدور بشكل عمودي تقريباً على القرص الرئيسي للمجرة. (المصدر: International Gemini Observatory/AURA)

بالاعتماد على بيانات دقيقة من “أداة التحليل الطيفي للطاقة المظلمة” (DESI) في مرصد كيت بيك الوطني بولاية أريزونا، تمكن غيريت وفريقه من تحديد حوالي 3000 مجرة جديدة محتملة تمتلك هذه الهياكل القطبية. هذا الرقم يرفع عدد المجرات المعروفة من هذا النوع بمقدار عشرة أضعاف دفعة واحدة، مما ينقلها من خانة “الطرائف الكونية” إلى ظاهرة تستحق الدراسة المعمقة.

عندما تخالف المجرات قواعد الفيزياء

في الوضع الطبيعي، وبسبب مبدأ حفظ الزخم الزاوي، تميل النجوم والغازات في المجرات إلى الدوران في مستوى واحد منتظم، مشكلةً قرصاً مسطحاً يشبه الصحن. لذا، فإن وجود حلقة من المواد تدور بزاوية حادة أو عمودية على هذا القرص يعد دليلاً دامغاً على حدوث تدخل خارجي عنيف.

يوضح الفريق البحثي أن هذه المجرات لا يمكن أن تولد بهذا الشكل؛ بل هي نتاج تاريخ حافل بالصدمات. لكي تكتسب مجرة ما هذا “الوشاح” العمودي، لا بد أنها تعرضت لعملية اندماج أو تصادم مع مجرة أخرى في الماضي، أو قامت بـ “سرقة” مواد غازية من مجرة عابرة، مما أجبر تلك المواد على اتخاذ مدار مغاير تماماً لمدار النجوم الأصلية.

وتشير التقديرات الجديدة إلى أن ما يقرب من 2% من جميع المجرات الضخمة القريبة تحتوي على هياكل قطبية. والمثير للدهشة، كما يشير غيريت، أن مجرتنا درب التبانة نفسها قد تمتلك هيكلاً قطبياً باهتاً للغاية يصعب تأكيده حالياً، مما يعني أننا قد نكون جزءاً من هذا النادي الكوني دون أن نعلم.

سفر عبر الزمن والضوء

لا يقتصر هذا الاكتشاف على زيادة الأعداد فحسب، بل يفتح نافذة زمنية عميقة على تاريخ الكون. فالضوء القادم من أبعد المجرات ذات الهياكل القطبية التي رصدها مسح DESI استغرق حوالي 7.8 مليار سنة ليصل إلى الأرض. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد أضافت بيانات تلسكوب “إقليدس” (Euclid) الفضائي بُعداً أعمق، ممددة العينة لتشمل مجرات يعود ضوؤها إلى أكثر من 11 مليار سنة.

تأتي هذه الهياكل بأشكال وأحجام متنوعة؛ فليست كلها حلقات دائرية مثالية تشبه أطواق التنورة. بعضها يظهر كتيارات ممتدة من النجوم، والبعض الآخر يشبه الهالات أو الانتفاخات الغازية. هذا التنوع يمنح العلماء مختبراً مثالياً لدراسة كيفية تشكل المجرات وتطورها عبر الزمن الكوني السحيق.

مختبرات لفهم المادة المظلمة

إن أهمية هذه المجرات تتجاوز مجرد شكلها الجمالي الغريب. فهي تعمل بمثابة مجسات طبيعية لفهم توزيع الجاذبية والمادة المظلمة. نظراً لأن الحلقة القطبية تدور في مستوى مختلف عن القرص الرئيسي، فإن حركة النجوم فيها تتيح للفلكيين قياس كتلة المجرة وتوزيع المادة المظلمة حولها بدقة أكبر مما تتيحه المجرات الحلزونية العادية.

يختتم غيريت وفريقه بأن هذه المجرات، رغم أنها لا تشكل الأغلبية، إلا أنها تمثل فئة حيوية لفهم عمليات “الالتحام والنمو” التي تخضع لها المجرات. ومع دمج بيانات DESI مع بيانات تلسكوب إقليدس، نحن بصدد الدخول في حقبة جديدة من الفهم الفلكي، حيث تخبرنا هذه “التنانير الكونية” قصصاً عن تصادمات ملحمية شكلت وجه الكون كما نراه اليوم.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Stay informed and not overwhelmed, subscribe now!