جونو على أبواب المشتري: مهمة لاختراق سحب العملاق الغازي

جونو على أبواب المشتري: مهمة لاختراق سحب العملاق الغازي

تستعد البشرية لخطوة غير مسبوقة مع وصول مسبار جونو إلى مدار المشتري. المهمة تهدف لاختراق السحب الكثيفة وكشف ما يخبئه العملاق الغازي من أسرار حول نشأة النظام الشمسي.

Share your love

الولايات المتحدة

لقد أحسن مراقبو النجوم القدامى الاختيار حين أطلقوا اسم “جوبيتر” (المشتري) -ملك الآلهة الرومانية- على أكبر كوكب في مجموعتنا الشمسية. هذا العملاق الذي تفوق كتلته ضعف كتلة جميع الكواكب الأخرى مجتمعة، يتربع على عرش النظام الشمسي بلا منازع، ويعد العضو الأكثر نفوذًا في عائلتنا الكوكبية بعد الشمس نفسها. لكن، ورغم قرون من المراقبة وثماني زيارات سابقة لمركبات فضائية، لا يزال المشتري يحتفظ بأعمق أسراره خلف ستار كثيف من السحب، تاركًا العلماء في حيرة حول ما يدور في جوفه المظلم.

مهمة اختراق الحجاب الغازي

في الرابع من يوليو، تستعد البشرية لخطوة غير مسبوقة مع وصول مسبار “جونو” (Juno) التابع لوكالة ناسا إلى مدار المشتري. بعد رحلة ماراثونية قطعت حوالي 2.8 مليار كيلومتر، تقف المركبة على أعتاب كشف الغموض الذي يكتنف باطن الكوكب. يقول سكوت بولتون، العالم المتخصص في الكواكب بمعهد الأبحاث الجنوبي الغربي ورئيس بعثة جونو: “نحن بصدد النظر تحت قمم السحب لأول مرة على الإطلاق؛ فنحن لا نعرف حقيقة ما بداخل المشتري”.

رسم توضيحي لمسار رحلة مسبار جونو من الأرض إلى المشتري
قطعت المركبة جونو رحلة استمرت خمس سنوات تضمنت مناورة للتحليق بالقرب من الأرض لاكتساب قوة دفع جاذبية.

لم يكن اختيار اسم “جونو” عبثيًا؛ ففي الأساطير، كانت الإلهة جونو زوجة جوبيتر، والوحيدة القادرة على الرؤية من خلال الغيوم لكشف طبيعته الحقيقية. وعلى خطى سميّتها، ستقضي المركبة 20 شهرًا في الدوران حول العملاق الغازي، مستخدمة حزمة من الأدوات المتطورة لقياس كمية المياه المختبئة في الغلاف الجوي، ورسم خريطة دقيقة لباطن الكوكب، وإلقاء نظرة هي الأولى من نوعها على قطبيه.

ألغاز التكوين: الماء والنواة

ما الذي يقبع في مركز المشتري؟ هذا هو السؤال الذي يؤرق علماء الكواكب. النظريات تتضارب؛ فهل يمتلك الكوكب نواة صخرية وجليدية صلبة نمت حولها طبقات الغاز؟ أم أنه تشكل من انهيار سحابة غازية عملاقة دون نواة صلبة؟ الإجابة تكمن في الجاذبية. أثناء دوران “جونو”، ستقوم المركبة بقياس التغيرات الطفيفة في سرعة تحركها استجابة لجاذبية الكوكب، مما سيتيح للعلماء استنتاج كيفية توزيع الكتلة في الأعماق.

رسم بياني يوضح الطبقات المحتملة لكوكب المشتري من الداخل
قد يحتوي المشتري على نواة صخرية وجليدية، تعلوها طبقة من الهيدروجين المعدني السائل (الرمادي الداكن)، ثم غاز الهيدروجين والهيليوم (البني).

إلى جانب لغز النواة، يمثل “الماء” مفتاحًا تاريخيًا لفهم نشأة نظامنا الشمسي. يعتقد الباحثون أن المشتري أثناء تشكله ابتلع الغازات المحيطة به، محتفظًا بعينة من المواد الأولية التي سبحت حول الشمس الوليدة قبل 4.6 مليار سنة. تقول فران باجينال، عالمة الكواكب في جامعة كولورادو بولدر: “يلعب الماء دورًا رئيسيًا في تكوين الكوكب”. معرفة كمية المياه ستخبرنا أين تشكل المشتري وكيف كانت البيئة في الأيام الأولى للنظام الشمسي.

كانت مهمة “غاليليو” في التسعينيات قد حاولت قياس المياه عبر مسبار انتحاري غاص في الغلاف الجوي، لكنه ولسوء الحظ سقط في “بقعة ساخنة” جافة تشبه صحراء جوية، مما أعطى قراءات غير دقيقة. أما جونو، فستتجاوز هذه المشكلة باستخدام مقياس إشعاع الميكروويف لمسح الغلاف الجوي عالميًا وتحديد امتصاص الماء للترددات المختلفة.

دبابة مصفحة في منطقة الخطر

المشتري ليس مضيفًا ودودًا. إنه كوكب التطرف بامتياز؛ يدور حول نفسه بسرعة هائلة (اليوم أقل من 10 ساعات)، وتصل الضغوط في مركزه إلى ملايين الأضعاف مقارنة بالأرض. لكن الخطر الأكبر يكمن في أحزمة الإشعاع والجسيمات المشحونة التي تطوق الكوكب، والتي يمكنها قتْل إلكترونيات أي مركبة فضائية في لحظات.

رسم يوضح المدار القطبي لمركبة جونو حول المشتري
سوف تسلك جونو مدارات بيضاوية ممدودة لمدة 14 يومًا، مما يبقيها بعيدًا عن أحزمة الإشعاع معظم الوقت ويسمح لها بالمرور فوق القطبين.

يصف بولتون المركبة قائلًا: “نحن مثل دبابة مصفحة تتجه إلى المشتري”. لحماية أجهزتها الحساسة، تم وضع عقل المركبة ومعداتها داخل قبو من التيتانيوم يزن 200 كيلوجرام. ولتفادي الجرعات المميتة من الإشعاع، صمم المهندسون مدارًا عبقريًا؛ حيث ستحلق جونو بشكل عمودي على خط الاستواء، غائصة بين السحب وأحزمة الإشعاع في مناورات سريعة، ثم تبتعد بسرعة إلى الفضاء الخارجي. ستسمح هذه المدارات القطبية للمركبة بمسح الكوكب من الشمال إلى الجنوب، مقدمة رؤية عالمية لم يستطع مسبار “غاليليو” توفيرها.

عيون على الأقطاب والشفق القطبي

يحمل المسبار ترسانة من الأدوات العلمية المتطورة، استعدادًا لاستكشاف مناطق “تيرا إنكوجنيتا” (أرض مجهولة) بالنسبة لعلماء الكواكب: قطبي المشتري. نظرًا لأن محور المشتري عمودي تقريبًا، فإن أقطابه لا تظهر بوضوح من الأرض، ولم تقترب منها أي مركبة سابقة بما يكفي.

رسم توضيحي للأدوات العلمية المثبتة على متن المركبة جونو
تحمل جونو مجموعة من أجهزة الاستشعار، والكاميرات، ومقاييس الطيف لدراسة الغلاف الجوي والمجال المغناطيسي.

ستركز جونو على دراسة الشفق القطبي للمشتري، تلك الستائر الراقصة من الضوء التي تفوق قوتها شفق الأرض بألف مرة. وبينما أظهر مسبار كاسيني دوامات تشبه الأعاصير في أقطاب زحل، يتساءل لي فليتشر من جامعة ليستر: “هل هذه سمة مشتركة للكواكب العملاقة أم أنها فريدة لزحل؟”. جونو وحدها تملك الإجابة.

صورة مركبة تظهر الشفق القطبي للمشتري باللون البنفسجي
تُظهر الأشعة السينية الشفق القطبي للمشتري (باللون الأرجواني) وهو يتموج حول أقطاب الكوكب في هذه الصورة المركبة من تلسكوبات شاندرا وهابل.

إشراك الجمهور ونهاية درامية

على الرغم من تعقيد المهمة علميًا، لم تغفل ناسا الجانب الجمالي والتفاعلي. تحمل المركبة “JunoCam”، وهي كاميرا مخصصة للجمهور، حيث سيتمكن عشاق الفلك من التصويت عبر الإنترنت لتحديد المواقع التي يجب تصويرها في الغلاف الجوي للمشتري. إنها دعوة مفتوحة للعامة ليكونوا جزءًا من الفريق.

صورة التقطتها جونو لكوكب الأرض أثناء تحليقها القريب
التقطت جونو هذه الصورة للأرض عندما اقتربت منها للحصول على مساعدة الجاذبية في 9 أكتوبر 2013.

في نهاية المطاف، وبعد إكمال مهمتها في فبراير 2018، ستواجه جونو مصيرها المحتوم: الغوص الانتحاري في غلاف المشتري الجوي. هذا القرار اتُخذ عمدًا لضمان عدم اصطدام المركبة -التي قد تحمل ميكروبات أرضية- بقمر “أوروبا” الجليدي، الذي يُعتقد أنه يحتوي على محيط مائي قد يأوي حياة. حتى تلك اللحظة، سيظل المشتري ومكوناته التي تشبه المواد الأساسية للحياة في أيدي جونو، في فرصة جيلنا الكبرى لفهم أصولنا الكونية.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Stay informed and not overwhelmed, subscribe now!