حدائق مجمدة: هل ينقذ التبريد العميق النباتات من الانقراض؟

حدائق مجمدة: هل ينقذ التبريد العميق النباتات من الانقراض؟

بينما تفشل بنوك البذور التقليدية في حفظ بعض الأنواع النباتية، يلجأ العلماء إلى تقنية "التزجيج" والتبريد العميق لتحويل الأنسجة النباتية إلى كبسولات زمنية حية، في محاولة يائسة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الغابات.

Share your love

Colombia

في صباح غائم من عام 1985، شق باحثان طريقهما بصعوبة عبر غابات كولومبيا المطيرة المحاطة بمزارع البن، في مهمة لإحصاء النباتات التي تنمو فوق الأشجار. وبينما كان أحدهما يتسلق جذع شجرة عملاقة، نادى زميله بذهول: “لقد وجدت زهور التوليب هنا!”. كان الاكتشاف غريبًا، فالتوليب لا ينمو في الغابات الاستوائية. عند فحص الأزهار المتساقطة على الأرض، تبين أنها ليست توليبًا، بل نوعًا نادرًا للغاية من شجر الماغنوليا لم يكن معروفًا للعلم من قبل، أُطلق عليه لاحقًا اسم Magnolia wolfii. اليوم، وبعد مرور 40 عامًا، لم يتبقَ من هذا النوع سوى ست أشجار بالغة فقط، مما يجعله على حافة الانقراض، تمامًا مثل نصف أنواع الماغنوليا المعروفة حول العالم.

زهرة صفراء ممزقة قليلاً لنبات ماغنوليا وولفي المهدد بالانقراض
زهرة نادرة من نوع Magnolia wolfii المهدد بشدة بالانقراض، والتي ظن المستكشفون في البداية أنها زهرة توليب.

حدائق مجمدة في الزمن

بينما تواجه هذه الأشجار خطر الزوال الأبدي، يقود العلماء سباقًا مع الزمن لإنقاذها باستخدام تقنية قد تبدو للوهلة الأولى خيالًا علميًا: “الحفظ بالتبريد العميق” (Cryopreservation). في حدائق هانتنغتون النباتية بكاليفورنيا، تعمل عالمة الأحياء المتخصصة في التبريد، راكيل فولغادو، على تحويل المختبرات إلى “حدائق مجمدة”. الفكرة ليست مجرد تخزين، بل إيقاف الزمن بيولوجيًا لهذه النباتات، لتبقى في حالة سكون تام حتى يحين الوقت المناسب لإعادتها للحياة، سواء كان ذلك بعد عام أو قرن من الزمان.

تُعد بنوك البذور التقليدية، مثل “قبو سفالبارد” الشهير في النرويج، ركيزة أساسية لحفظ التنوع النباتي، خاصة المحاصيل الغذائية. لكن المشكلة تكمن في أن هذه البنوك لا تصلح لجميع النباتات. تشير التقديرات إلى أن حوالي 8% من النباتات حول العالم تمتلك بذورًا “عصية” (Recalcitrant seeds)؛ أي أنها تموت إذا تم تجفيفها وتجميدها بالطرق التقليدية. تشمل هذه القائمة نباتات استوائية هامة، وأشجار البلوط، وحتى الأفوكادو والكاكاو والماغنوليا. هنا يأتي دور التبريد العميق كطوق نجاة أخير.

مدخل قبو سفالبارد العالمي للبذور الخرساني يبرز من سفح جبل ثلجي
قبو سفالبارد العالمي للبذور في النرويج يحفظ ملايين العينات، لكنه لا يستطيع حفظ النباتات ذات البذور التي لا تتحمل التجفيف والتجميد التقليدي.

جراحة دقيقة وتزجيج الخلايا

على عكس تجميد الطعام في المنزل، فإن تجميد الكائنات الحية عملية معقدة ودقيقة للغاية. في مختبرها، تقوم فولغادو بما يشبه الجراحة المجهرية. لا تعتمد العملية على البذور، بل تستهدف “القمة النامية” (Shoot tip) في النبات، وهي كتلة من الخلايا الجذعية القادرة على تجديد النبات بالكامل.

طبق بتري ومشرط وملقط يستخدم لعزل قمة نامية لنبات
تتطلب عملية الحفظ بالتبريد عزل “القمة النامية” للنبات بدقة جراحية تحت المجهر، وهي الجزء القادر على إعادة توليد النبات بالكامل.

تبدأ العملية بعزل هذه القمة النامية، ثم غمرها في كوكتيل كيميائي خاص يحتوي على معادن وهرمونات ومضادات للتجمد. الهدف هو سحب الماء من الخلايا واستبداله بمواد تمنع تشكل بلورات الثلج القاتلة التي قد تمزق الأنسجة. تسمى هذه العملية “التزجيج” (Vitrification)، حيث يتحول السائل داخل الخلية إلى حالة زجاجية صلبة دون أن يتبلور عند تعرضه للتبريد السريع.

بعد التجهيز، تُلقی العينة في النيتروجين السائل عند درجة حرارة -196 مئوية. في هذه الدرجة، تتوقف العمليات الحيوية والشيخوخة تمامًا. نظريًا، يمكن للنبات أن يبقى في هذه الحالة إلى الأبد.

عالمة الأحياء راكيل فولغادو تعمل في المختبر بجانب مجهر
تعمل الباحثة راكيل فولغادو على تطوير بروتوكولات دقيقة لتجميد أنواع مختلفة من النباتات، بما في ذلك الأفوكادو والماغنوليا.

معضلة “كابتن أمريكا” البيئية

رغم النجاح التقني، يثير هذا النهج تساؤلات فلسفية وبيئية عميقة. تشبه عالمة الاجتماع هانا لانديكر الأمر بقصة “كابتن أمريكا” الذي استيقظ ليجد نفسه في عالم مختلف تمامًا. هل ستمتلك النبتة التي نوقظها بعد 100 عام فرصة للنجاة إذا اختفت بيئتها الأصلية؟

هذا التخوف ليس مجرد نظرية. ففي مدينة ميديلين الكولومبية، تم نقل شجرة Magnolia silvioi وزراعتها في الحديقة النباتية. الشجرة تنمو وتزهر، لكنها لا تنتج بذورًا لأن الخنفساء الملقحة الخاصة بها غير موجودة في تلك المنطقة. البيئة تغيرت، وبدون الملقحات أو الظروف المناسبة، تصبح الشجرة “ميتة حيويًا”؛ كائن وحيد غير قادر على التكاثر. وهذا يطرح سؤالاً جوهرياً: هل يكفي حفظ الجينات، أم يجب علينا حفظ النظام البيئي بأكمله؟

رسم تاريخي بالأبيض والأسود لأجزاء نبات الماغنوليا من القرن الثامن عشر
رسومات الراهب وعالم النبات الفرنسي تشارلز بلومييه للماغنوليا في القرن الثامن عشر. تاريخ طويل من الانبهار بهذه الشجرة يواجه اليوم تحديات حديثة.

الأمل القادم من الجليد السيبيري

على الرغم من التحديات، فإن التاريخ يمنحنا بارقة أمل مذهلة. فقد أثبتت الطبيعة أن “البعث” من التجمد ممكن. في عام 2012، نجح علماء روس في إعادة إحياء نبتة مزهرة تسمى Silene stenophylla من ثمار دفنتها السناجب في الجليد السيبيري (Permafrost) قبل 32,000 عام. إذا تمكنت الطبيعة من حفظ الأنسجة في ظروف عشوائية لآلاف السنين، فإن الحفظ العلمي المدروس يحمل فرصًا واعدة.

زهور أرجوانية صغيرة لنبات سيلينا ستينوفيلا تنمو بين الصخور
نبات “سيلينا ستينوفيلا” الذي تمكن العلماء من إعادة استنباته من ثمار ظلت مدفونة في الجليد السيبيري لمدة 32 ألف عام.

قد لا نتمكن من استعادة الغابات القديمة كما كانت تمامًا، ولكن كما تقول فولغادو: “حتى لو كانت نسبة النجاح في الإنبات 1% فقط، فهذا أفضل بكثير من الصفر”. الحفظ بالتبريد قد لا يكون الحل الوحيد، لكنه بوليصة تأمين ضرورية ضد الانقراض الشامل، وحافظة للجينات التي قد تحمل في طياتها علاجات لأمراض المستقبل أو حلولًا لتحديات الأمن الغذائي.

صورة لقمة نامية لنبات ماغنوليا بدأت بالنمو بعد إذابتها من التجميد
دليل على النجاح: قمة نامية لشجرة ماغنوليا تستأنف نموها الطبيعي بعد إذابتها من التجميد العميق.

بينما تستعد فولغادو لإعادة زراعة شتلات الماغنوليا التي تم فك تجميدها في حديقة هانتنغتون، يبقى الدرس الأهم: التكنولوجيا تمنحنا فرصة ثانية، لكن الحفاظ على الكوكب الذي ستحتضن تربته هذه النباتات يظل مسؤوليتنا الأولى.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Stay informed and not overwhelmed, subscribe now!