شرائح الدماغ والاكتئاب: هل تغير التكنولوجيا جوهر الذات؟

شرائح الدماغ والاكتئاب: هل تغير التكنولوجيا جوهر الذات؟

بينما يخشى البعض من أن تحولنا التكنولوجيا إلى كائنات نصف آلية، يؤكد مرضى الاكتئاب الذين خضعوا لزراعة شرائح دماغية أن التقنية لم تغير شخصياتهم، بل أعادت إليهم "الذات" التي سحقها المرض.

Share your love

الولايات المتحدة

عندما يصاب أحدهم بالسرطان أو يتعرض لكسر في الساق، يهرع الأصدقاء والجيران للمواساة، محملين بالأطعمة والدعم العاطفي. لكن الأمر يختلف تمامًا عندما يكون المرض “في الرأس”. يصف جون نيلسون، أحد المرضى الذين خضعوا لتجارب علاجية حديثة، الاكتئاب بأنه “مرض اللا-طاجن” (No-casserole disease)، في إشارة بليغة إلى العزلة والصمت الذي يفرضه المجتمع على الاضطرابات النفسية. هذه الوصمة لا تكتفي بعزل المريض، بل تثير تساؤلات فلسفية وعلمية عميقة عندما يتعلق الأمر بالتدخل الجراحي في الدماغ: إذا عالجنا الدماغ بشريحة إلكترونية، فهل نغير بذلك “الذات” البشرية؟

بين الألم الجسدي والعذاب النفسي: جدار من الصمت

في الحلقة الخامسة من بودكاست “The Deep End” الذي تنتجه “ساينس نيوز”، تغوص الصحفية العلمية لورا ساندرز في أعماق تجربة المرضى مع العلاجات المتطورة للاكتئاب. تروي إميلي هولينبيك، الحاصلة على الدكتوراه في علم النفس والتي عانت من الاكتئاب، موقفًا صادمًا تعرضت له قبل خضوعها للعلاج بالصدمات الكهربائية (ECT). فبينما كانت تستعد للتخدير، واجهها طبيب التخدير بتعليق ساخر حول مفارقة كونها متخصصة في علم النفس ومع ذلك تحتاج لهذا العلاج، مما جعلها تشعر بالخزي وهي في أضعف حالاتها.

هذه الأحكام المسبقة ليست مجرد كلمات عابرة؛ إنها حواجز تمنع المرضى من طلب المساعدة. يشير “جون نيلسون” إلى أن الصمت الناتج عن الوصمة هو البيئة الخصبة التي ينمو فيها الاكتئاب، دافعًا المريض نحو الانتحار. فالمجتمع يتقبل الأمراض العضوية ويتعاطف معها، بينما ينظر للاكتئاب كعيوب في الشخصية أو ضعف في الإرادة، متجاهلًا كونه “نيرانًا تلتهم الدماغ” كما يصفه مريض آخر يُدعى “المريض 001″، الذي يشبّه الاكتئاب بمس شيطاني يهمس للمريض يوميًا بإنهاء حياته.

شرائح الدماغ: هل نحن أمام “سايبورغ” جديد؟

مع تطور تقنيات التحفيز العميق للدماغ (Deep Brain Stimulation – DBS)، حيث يتم زرع أقطاب كهربائية لتنظيم النشاط العصبي، يبرز تخوف أخلاقي وفلسفي: هل العبث بكهرباء الدماغ يغير جوهر الإنسان؟ يشير النقاد والمترددون غالبًا إلى المخاوف من أن تحولنا التكنولوجيا إلى كائنات نصف آلية (Cyborgs) أو تغير شخصياتنا، وهو قلق لا نراه عند زراعة كلية أو منظم ضربات القلب.

تطرقت ساندرز إلى حالة غريبة لرجل هولندي عولج من الوسواس القهري عبر التحفيز العميق، ليطور فجأة شغفًا شديدًا بأغاني “جوني كاش”، متخليًا عن ذائقه الموسيقية القديمة، وهي حالة نادرة تثير الفضول حول مدى ارتباط “الذات” بالنشاط الكهربائي للدماغ. ومع ذلك، يؤكد المرضى المشاركون في التجارب الحالية عكس ذلك تمامًا. بالنسبة لجون وإميلي، الشريحة لا تخلق شخصية جديدة، بل تزيل “السم” الذي كان يحجب شخصيتهم الحقيقية.

استعادة “الذات” المسلوبة

تقول إميلي إن هويتها هي خيار، والاكتئاب هو ما سلبها هذا الخيار. العلاج بالتحفيز العميق لم يغير من تكون، بل منحها الحرية لتعود لطبيعتها، “غير مقيدة” بقيود المرض. وتؤكد أماندا، مريضة أخرى، نفس المبدأ: “أنا ما زلت نفس الشخص، لكنني أعاني أقل”.

وفي سياق متصل، توضح الأخصائية النفسية شانون أونيل، التي عملت مع هؤلاء المرضى، أن الهدف من العلاج ليس خلق سعادة دائمة ومصطنعة، بل إخراج المريض من الحفرة المظلمة ليقف على أرض صلبة. وتستخدم أونيل تمرينًا يسمى “الشخص المثير للإعجاب” لمساعدة المرضى على إعادة تعريف ذواتهم بناءً على القيم التي يقدرونها، بعيدًا عن ظل المرض.

عودة المشاعر الطبيعية: حتى الغضب له مكان

لعل النتيجة الأكثر إثارة للدهشة في رحلة جون نيلسون العلاجية ليست شعوره بالسعادة الغامرة، بل عودته ليكون إنسانًا طبيعيًا يختبر كافة المشاعر. يروي جون كيف انخفض مستوى “السم” في حياته من 9/10 إلى الصفر، لكن مستوى “سرعة الانفعال” لديه بقي كما هو. يقول مازحًا: “أنا الآن مجرد رجل في منتصف العمر وسريع الانفعال.. هذا هو أنا”.

تؤكد زوجته باربرا هذا التحول؛ فجون مع شريحة الدماغ ليس “جون البيوني” الخارق، بل هو جون الذي تعرفه، وقد استعاد القدرة على المشي، والرد على الهاتف، والتفاعل مع عائلته، بعد أن كان المرض يسرق منه هذه التفاصيل البسيطة. إن المستقبل الذي ترسمه هذه التقنيات ليس استبدال البشر بآلات، بل استخدام الآلات لتمكين البشر من استعادة إنسانيتهم المسلوبة بفعل أمراض عتيدة، مما يفتح باب أمل جديد لملايين المرضى حول العالم الذين لا يجدون في العلاجات التقليدية طوق نجاة.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Stay informed and not overwhelmed, subscribe now!