
طوفان يوليو.. لماذا تحولت الأمطار إلى قنابل مائية مدمرة؟
لم يعد المطر كما عهدناه؛ فارتفاع حرارة الغلاف الجوي والمحيطات حول العواصف إلى خزانات مياه عملاقة تفرغ حمولتها بعنف. ما هي فيزياء هذه الظاهرة وكيف يمكننا النجاة في عالم تتغير فيه خرائط الخطر؟
Share your love
لم يعد شهر يوليو/تموز مجرد شهر للحرارة القائظة، بل تحول في الولايات المتحدة -وعدة مناطق حول العالم- إلى مسرح لطوفان مائي غير مسبوق. في غضون أيام قليلة، تحولت الطرقات السريعة في نيوجيرسي إلى أنهار جارفة، وغرقت محطات المترو في نيويورك، بينما اجتاحت السيول ولاية تكساس مخلفة وراءها عشرات الضحايا. المشهد لم يكن مجرد تقلبات جوية معتادة، بل إنذاراً صارخاً بأن قواعد اللعبة المناخية قد تغيرت، وأن السماء باتت تحمل في جعبتها ما هو أخطر من مجرد المطر: إنها القنابل المائية.
عندما تصبح السماء خزاناً مثقوباً
بينما كانت فرق الإنقاذ تصارع الزمن لانتشال العالقين من وسط المياه، أقدمت وزارة التجارة الأمريكية -في مفارقة غريبة- على تعليق العمل في مشروع “أطلس 15″، وهو مشروع ضخم يهدف لتحديث بيانات هطول الأمطار الوطنية. يأتي هذا في الوقت الذي تضرب فيه الفيضانات المدمرة ليس فقط أمريكا، بل تمتد لتشمل المكسيك وباكستان ونيجيريا، مما يطرح تساؤلاً ملحاً: ما الذي يحدث في الغلاف الجوي؟
للإجابة عن هذا السؤال، توجهت الأنظار نحو الدكتورة جولين راسل (Joellen Russell)، عالمة المحيطات وخبيرة النمذجة المناخية بجامعة أريزونا. ترى راسل أن الصورة الكبيرة واضحة ومقلقة: “السبب يكمن في احترار الغلاف الجوي واحترار المحيطات”. وتوضح بلغة الأرقام أن كل ارتفاع بمقدار درجة مئوية واحدة في حرارة الكوكب، يسمح للغلاف الجوي بالاحتفاظ بنسبة 6% إضافية من بخار الماء.
هذه الزيادة في “السعة التخزينية” للجو تعني أن العواصف لم تعد تمطر كالمعتاد، بل أصبحت تفرغ حمولات هائلة من المياه دفعة واحدة. وتشير البيانات إلى زيادة بنسبة 60% في الهطولات المطرية المتطرفة في شمال شرق الولايات المتحدة وحدها، مما يؤكد أننا أمام تحول مناخي جذري وليس مجرد ظاهرة جوية عابرة.

المحيط: مخزن الطاقة الذي يغذي الكوارث
لا تقتصر القصة على الهواء الساخن فحسب، بل يلعب المحيط دور “البطارية” التي تمد هذه العواصف بالطاقة. تشرح راسل أن هناك خللاً في التوازن الحراري للكوكب؛ فالغلاف الجوي يمتص فقط 3% من الحرارة الزائدة الناتجة عن الاحتباس الحراري، بينما يبتلع المحيط النسبة الأعظم وهي 93%.
هذه الحرارة الهائلة المختزنة في المحيطات، وخاصة في خليج المكسيك الذي سجل درجات حرارة أعلى بدرجتين من المعدل الطبيعي، تعمل كمحرك جبار. الحرارة ليست سطحية فقط، بل تمتد لعمق مئات الأمتار، مما يوفر مخزوناً لا ينضب من الطاقة وجزيئات الماء التي تحملها الرياح وتلقيها فوق اليابسة. تقول راسل: “المياه الدافئة هي التي تقود الحافلة هنا، وهذا الأمر لن يختفي قريباً”.
خرافة “التربة العطشى” وفيزياء التضاريس
قد يعتقد البعض أن الجفاف السابق للأمطار قد يساعد في امتصاص المياه، لكن الواقع العلمي أكثر تعقيداً. توضح راسل أن التربة الجافة جداً قد تتحول إلى ما يشبه “الخرسانة”، حيث تنزلق المياه فوقها بدلاً من التسرب داخلها. وعلى النقيض، قد تمتص بعض أنواع التربة المياه، لكن عندما تهطل الأمطار بهذه الكثافة والسرعة، لا يهم نوع التربة؛ فالنتيجة الحتمية هي الفيضان.
تفاقم التضاريس هذه المشكلة، كما حدث في منطقة “هيل كانتري” (Hill Country) بتكساس، حيث المنحدرات الصخرية الحادة. عندما تتحرك المياه فوق الأرض وترتفع مع التضاريس، يبرد الهواء ويسقط حمولته المائية فجأة. المشكلة الأساسية ليست في التضاريس وحدها، بل في كمية المياه الهائلة التي تُجبر على المرور في قنوات لم تُصمم لاستيعاب هذا الحجم، مما يؤدي لكسر كل الحواجز الطبيعية والصناعية.
سقوط معايير الماضي: كيف نستعد للمستقبل؟
أمام هذا الواقع الجديد، تؤكد راسل أن مصطلحات مثل “فيضان المئة عام” (وهو فيضان يحدث مرة كل قرن) قد عفا عليها الزمن. الخرائط التي تعتمد عليها وكالات إدارة الطوارئ تستند إلى بيانات الماضي، بينما نحن نتجه نحو مستقبل مناخي مختلف كلياً تتغير فيه خطوط الأساس بسرعة مخيفة.
البنية التحتية المتهالكة من جسور وطرقات لم تعد قادرة على الصمود أمام هذه العواصف الأكثر عنفاً. وللنجاة في هذا العالم “الأكثر جموحاً وحرارة”، تنصح الخبيرة بضرورة:
- تفعيل التنبيهات: الاشتراك في خدمات الطوارئ المحلية وعدم الاكتفاء بتطبيقات الطقس التجارية، مع التأكد من عدم وضع الهاتف في وضع الصامت خلال العواصف.
- التخطيط المسبق: معرفة مناطق الفيضان المحتملة، وتحديد طرق الإخلاء الآمنة مسبقاً، وتجهيز حقائب الطوارئ.
- الاستثمار في التنبؤ: الحاجة الماسة لتحديث أنظمة التنبؤ بالفيضانات ودعم خدمات الأرصاد الجوية لتقليل حجم الكارثة قبل وقوعها.
إن الرسالة التي يبعث بها العلماء واضحة: الفيضانات الحالية ليست مجرد حوادث عارضة، بل هي الوجه الجديد لمناخ كوكبنا، والاستعداد لها لم يعد رفاهية بل ضرورة للبقاء.



