طول البال لن يستمر للأبد.. الكنيسة المصرية تغير لهجتها وتهاجم إثيوبيا

0
Egyptian Coptic Pope Tawadros II (L), Pope of Alexandria and Patriarch of Saint Marc Episcopate and Egyptian President Abdel Fattah Al-Sisi in Cairo, Egypt on 6 January 2018 [Egyptian Presidency/Anadolu Agency]
تواضروس يجلس مع السيسي في مناسبة دينية مسيحية جرت بداية عام 2018 (الأناضول)

القاهرة- فيما يبدو تغيرا واضحا في لهجة الكنيسة المصرية تجاه أزمة سد النهضة، قال تواضروس الثانى -بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية- إن المفاوضات وطول البال لن يستمرا إلى الأبد في ظل إصرار إثيوبيا على أن يكون لها رأي منفرد بعيدا عن دولتي المصب؛ مصر والسودان.

رأس الكنيسة المصرية قال -في تصريحات قبل إلقاء العظة الأسبوعية مساء أمس الأربعاء وقد نقلتها الصحف المصرية- إن الكنيسة تصلي من أجل نجاح الجهود الدبلوماسية الجارية حالا للوصول لحل لمشكلة سد النهضة، رغم الاستفزازات والتصريحات التي تصدر من جهة إثيوبيا، على حد قوله.

مصر قادرة على حماية حقوقها

وأوضح البابا -في تصريحاته- أن مصر “ظلت تحاول أن تقدم كل الحلول الممكنة وتستجيب لكل الآراء، وتجاوبت مع كل المفاوضات، ولكننا نرى أن طول البال والمفاوضات لن يستمرا إلى الأبد، مصر بقيادتها السياسية، وقياداتها الشعبية أيضا والحكومة المصرية قادرة أن تحمي كل الحقوق المائية وأن تحفظ الأمن المائي لمصر”.

وأضاف البابا “وكما نعلم أن النيل وهب الحياة لمصر منذ آلاف السنين، والنيل أوجده الله الخالق، وهو من أكبر أنهار العالم، وجعله الله يمر في 10 دول أفريقية يرويها… ومصر هي الدولة العاشرة والأخيرة (دولة المصب)، وإمكانياتها وقدراتها وتاريخها، كل هذا قادر أن يحفظ لها حقوقها”.

ودعا البابا -في ختام تصريحاته- بأن يكون لجهود مجلس الأمن مردود إيجابي تجنبا لدخول منطقة القرن الأفريقي في صراعات ونزاعات وحروب، وفي كوارث وأزمات تجلب شرا على الجميع.

خطاب ناعم

هذه التصريحات تشير إلى تغيير نوعي في خطاب الكنيسة المصرية حول أزمة سد النهضة، وهو الخطاب الذي غاب في معظم الوقت واقتصر غالبا على الحديث عن الصلاة للوصول إلى حل يرضي الجميع، ودعوة أطراف الأزمة للتوافق والوصول لحل سياسي ودبلوماسي بعيدا عن الحلول الأخرى.

وصدرت أبرز تصريحات تواضروس حول سد النهضة في مطلع مايو/أيار الماضي، حين قال -في عظة دينية بمناسبة قداس عيد القيامة- “نصلي كثيرا من أجل مشكلة سد النهضة، ليمد الله يده ويعمل فيها للوصول إلى حلول ترضي الجميع”.

ودعا تواضروس الثانية -يومها- إثيوبيا حكومة وشعبا إلى المشاركة والتعاون والتنمية بدلا من أي صراع أو متاعب، وقال “نحن أشقاء في نهر النيل الخالد، نصلي أن يُنجح الله كل الجهود الطيبة، الجهود الدبلوماسية والسياسية، حتى لا نلجأ إلى أية جهود أخرى”.

وبدأت لهجة البابا في التصاعد أواخر شهر يونيو/حزيران الماضي عندما قال -في مداخلة هاتفية مع قناة “إم بي سي مصر” (mbc) السعودية- إن قضية سد النهضة خطيرة، وإن ملف سد النهضة يشغله كما يشغل كافة المصريين كونه معني بمياه النيل، معربا عن شكره لله لأن الرئيس عبد الفتاح السيسى وكافة أجهزة الدولة يعملون بسياسة النفس الطويل في المفاوضات مع إثيوبيا، ومؤكدا أن “النفس الطويل سيأتي بثمار”. وفق قوله.

 

 

تاريخ طويل، ولكن..

جدير بالذكر أن العلاقة بين الكنيستين المصرية والإثيوبية قديمة جدا، حيث تعود إلى النصف الأول من القرن الرابع الميلادي مع تاريخ دخول المسيحية إلى إثيوبيا، وبدأ التقليد بأن يقوم بطريرك الإسكندرية بترسيم مطران الكنيسة الإثيوبية من بين الرهبان المصريين ويأخذ المطران الجنسية الإثيوبية بمجرد وصوله إلى مقره، وظل هذا التقليد الكنسي معمولا به حتى عام 1950، أي طوال ما يزيد على 16 قرنا.

ولعبت الكنيسة المصرية أدوارا مهمة قديما في العلاقات مع إثيوبيا، خاصة في عهد الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، والذي كان يوظف العلاقة الطيبة بين رأس الكنيسة المصرية السابق البابا كيرلس السادس والإمبراطور “هيلا سلاسي” في خدمة المصالح المشتركة للبلدين.

لكن النصف الثاني من القرن الـ20 شهد توقيع اتفاق عرف باسم “بروتوكول عام 1959″، وقرر بموجبه رأس الكنيسة المصرية حينها ترفيع مطران إثيوبيا إلى مركز البطريرك، لتنتهي العلاقة الرسمية بين الكنيستين.

وفي عام 1994 تم توقيع بروتوكول يؤكد على استقلالية الكنيسة الإثيوبية، مع ارتباطها بكنيسة الإسكندرية بروابط روحية وعقائدية كبيرة. وتجري رسامة آباء الكنيسة الإثيوبية حتى الآن بالأسماء التاريخية لقديسين وآباء الكنيسة المصرية.

ورغم هذا التاريخ الطويل، فإن الكنيسة المصرية لم تسهم بشكل فعال في أي من مراحل أزمات سد النهضة الأخيرة، في حين تدعم الكنيسة الإثيوبية موقف بلادها بشكل واضح، وكان آخر مظاهره البيان الصادر عن القديس سينودوس -رئيس المجمع المقدس لكنيسة التوحيد الإثيوبية الأرثوذكسية- نهاية مايو/أيار الماضي، والذي دعا فيه الإثيوبيين إلى مواصلة دعمهم للسد الذي أوشك على الاكتمال، وأنه خطوة للأمام في رفع الفقر، داعيا بعض الدول -التي لم يسمها- إلى وقف التدخل في التنمية الوطنية الإثيوبية.

وينشط دور الكنيسة الإثيوبية -وفق الخبير بالشأن الأفريقي حمدي عبد الرحمن- في توظيف إثيوبيا للروايات الدينية للترويج لدورها ومكانتها الخاصة، وقد أكد الخبير أن ذلك مهم في فهم الشخصية الإثيوبية وعلاقة الكنيسة بالدولة، حيث يتم استخدامها في خلق شعور بالأزمة وهو ما يحدث في قضية سد النهضة.

 

 

الأمتار الأخيرة

وفي الوقت الذي أعلنت فيه إثيوبيا -بشكل منفرد- بدء الملء الثاني للسد؛ يترقب المصريون جلسة مجلس الأمن الدولي اليوم الخميس، بناء على طلب دولتي مصب نهر النيل مصر والسودان؛ لمناقشة تطورات أزمة سد النهضة، آملين أن تنتهي بموقف يدعم حقوق الدولتين.

وتُصر إثيوبيا على استكمال الملء الثاني لسد النهضة في يوليو/تموز الجاري وأغسطس/آب المقبل، حتى لو لم تتوصل إلى اتفاق بشأن السد، الذي تقيمه على النيل الأزرق، الرافد الرئيس لنهر النيل الذي يمثل شريان حياة لدولتي المصب مصر والسودان.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد