في مواجهة كورونا.. الاقتصاد أولا أم أرواح المصريين؟

0

رجال أعمال أكدوا أن العمال هم أكبر المتضررين من توقف الاقتصاد بسبب جهود مكافحة فيروس كورونا  (الجزيرة)

عبد الرحمن أحمد-القاهرة

أيهما أكثر أهمية أرواح البشر أم إنقاذ الاقتصاد؟ وهل يجب على الناس البقاء في منازلهم ووقف العمل لمواجهة انتشار جائحة كورونا مهما كانت الخسائر الاقتصادية؟ أم يجب استئناف بعض الأعمال أو كلها لتجنب خسائر توقف العمل والإنتاج؟

أسئلة صعبة تحولت إلى جدل فرض نفسه خلال الأيام الأخيرة في مصر والعالم مع الانتشار المتزايد لفيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) وغياب أي سبل لمواجهته حتى الآن، إلا بإجراءات التباعد الاجتماعي بين الناس وما يتطلبه ذلك من توقف غالبية الأنشطة الاقتصادية.

يتزعم الرئيس الأميركي دونالد ترامب ومن خلفه بعض رجال الأعمال في دول عديدة بينها مصر التيار المؤيد لعودة عجلة الاقتصاد سريعا، رافعا شعار أن العلاج يجب ألا يكون أسوأ من المرض، في مقابل تيار أوسع يؤكد أن حياة الإنسان لابد أن تكون لها الأولوية على الاقتصاد.

يحاول أصحاب رؤية الاقتصاد أولا، تبرير التضحية بأعداد كبيرة من الناس بأن أعداد الموتى نتيجة الانتحار والجريمة لو انهار الاقتصاد قد تفوق أعداد ضحايا الفيروس حال التعجل في عودة العمل ورفع الحجر الصحي.

لكن الطرف الآخر يرى أنه لا يمكن التضحية بأرواح آلاف البشر واحتمال انهيار المنظومة الصحية وربما الدولة نفسها في مقابل مخاوف محتملة قد لا تتحقق، أو ربما تحدث بصورة أقل حدة مما يجري تصويره.

الموت أو الإفلاس
“أعيدوا الناس للعمل فورا حتى لو مات بعضهم فالأهم ألا تفلس الدولة”، بهذه الكلمات لخص رجل الأعمال المصري حسين صبور، السبت الماضي وجهة نظر مجموعة من رجال الأعمال الرافضين لإجراءات التباعد الاجتماعي وتوقف أغلب الأنشطة الاقتصادية لمواجهة وباء كورونا.

لم يكن صبور هو رجل الأعمال الوحيد الذي تبنى هذا الرأي، فقد سبقه الملياردير المصري نجيب ساويرس الذي دعا الأسبوع الماضي لعودة العمل فورا، محذرا مما أسماها “دماء اقتصادية” إذا استمرت حالة الإغلاق وتوقف الأعمال في البلاد.

وزاد ساويرس بالإشارة إلى أن رجال الأعمال سيجدون أنفسهم مضطرين إلى الاستغناء عن عدد كبير من موظفيهم أو تخفيض رواتبهم إذا استمر الإغلاق، وهو ما نفذه فعليا يوم الاثنين بالإعلان عن تخفيض رواتب موظفيه إلى النصف قبل أن يتراجع لاحقا ويعلن أن تخفيض الرواتب سيكون في قطاع السياحة فقط.

الاتجاه نفسه اتخذه رجل الأعمال رؤوف غبور الرئيس التنفيذي والعضو المنتدب لمجموعة “جي بى أوتو”، محذرا من الأضرار الاقتصادية الكبيرة لتوقف الأعمال، مما سيؤدي إلى انتشار السرقات والجريمة في المجتمع على حد قوله.

المثير أن القاسم المشترك في تصريحات ساويرس وصبور وغبور، هو رفضهم لتقديم أي تبرعات في ظل توقف أعمال شركاتهم، وهو ما اعتبره مراقبون إشارة إلى ضغوط النظام عليهم للتبرع بمبالغ كبيرة، وفي المقابل اشتراطهم عودة العمل والحصول على إعفاءات وامتيازات اقتصادية وتسلم مستحقات متأخرة من أجل تنفيذ ذلك.

وهو ما حدث بالفعل لاحقا عندما أعلنت “مؤسسة ساويرس للتنمية الاجتماعية” تبرعها بـ100 مليون جنيه للدولة لمواجهة الوباء، بعد ساعات من إعلان الحكومة المصرية عودة شركات المقاولات في مصر -التي تضم قرابة 4 ملايين عامل وفني ومهندس- إلى مواقع العمل بكامل قوتها، خاصة في مشروعات العاصمة الإدارية الجديدة ومدينة العلمين الجديدة.

وحاول بعض رجال الأعمال أن يظهروا أكثر حرصا في تصريحاتهم، فقال الملياردير ياسين منصور، رئيس شركة بالم هيلز للتطوير العقاري، إنه لا يؤيد تشغيل الاقتصاد كاملا في هذه الظروف ولكن في الوقت ذاته لابد من التشغيل الجزئي، مع اتخاذ إجراءات وقائية واحترازية وإجراء التحاليل اللازمة لفحص العاملين يتحمل تكلفتها أصحاب الأعمال، مقترحا إقامة معسكرات للعاملين في مواقع الإنتاج.

رؤية السيسي
ويوم الثلاثاء دخل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على خط الجدل مساندا -بشكل غير مباشر- رأي رجال الأعمال بتأكيده أن تعطل العمل والاقتصاد أخطر بكثير من كورونا، وأن توقف الحياة كاملة هو أمر خطير على ملايين العاملين في الدولة، وأعلن حزمة من القرارات الاقتصادية التي يصب أغلبها في صالح رجال الأعمال.

في المقابل برز فريق آخر من رجال الأعمال قدم حياة موظفيه وصحتهم على المكاسب الاقتصادية، وكان أبرزهم رجل الأعمال محمود العربي ونجله محمد الذي منح إجازات مدفوعة للعاملين في شركاته ووجه لهم رسالة طمأنة بأنه لن يستغني عن أي منهم، وهو الموقف ذاته الذي اتخذته مجموعة شركات الجارحي للصلب.

ضغط على الفقراء
نقطة أخرى يستند إليها رجال الأعمال لتبرير موقفهم الداعي لعودة العمل، وهي التأثيرات الكبيرة لوقف الإنتاج على الفقراء ومحدودي الدخل في بلد مثل مصر يعاني من ضعف اقتصاده، وترتفع فيه معدلات الفقر لتصل إلى 32.5%، مما يعني وجود أكثر من 32 مليون فقير يواجهون أعباء الحياة يوما بيوم.

ووفقا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، يوجد 11.85 مليون عامل (عمالة غير منتظمة) من أصل 25.7 مليون مشتغل، ولا يتمتعون بتأمين صحي أو معاش اجتماعي أو أجور منتظمة.

ويرى مساندون لهذا الرأي أن استمرار عمليات الإغلاق والحظر ستكون له عواقب اقتصادية واجتماعية غير مأمونة وقد تقود إلى “ثورة جياع” في ظل التفاوت الطبقي الكبير في مصر، كما ستؤدي إلى تداعيات كبيرة على صحة الناس.

يتطلب هذا الوضع بلا جدال البحث عن حلول عاجلة ومستقبلية لتفادي هذه التداعيات، سواء استمرت أزمة الوباء لفترة أكبر أو تمكن العالم من هزيمته قريبا، ولكن دون التورط في خطوات سريعة غير مدروسة قد تقود لكارثة صحية تقضي على الاقتصاد والدولة نفسها.

ويحذر المعارضون للتسرع في العودة إلى العمل من أن ضعف المنظومة الصحية في مصر -مقارنة بدول يجتاحها الوباء حاليا رغم تقدمها الطبي مثل إيطاليا وأميركا- ينذر بكارثة.

ووفقا لمؤشر الأمن الصحي العالمي فإن مصر تقع في المركز 87 من أصل 195 دولة في الاستعداد لمواجهة الفيروسات الوبائية، بينما تحتل المركز 108 في درجة الاستعداد لحالات الطوارئ.

ويعاني العديد من المستشفيات والمراكز الصحية في مصر نقصا حادا في وسائل الوقاية والحماية الشخصية لكوادرها من أطباء وفرق التمريض.

وما يثير المخاوف بشكل أكبر هو ظهور حالات إصابة متعددة بين الأطقم الطبية ذاتها في العديد من المستشفيات مثل المعهد القومي للأورام ومستشفى الدمرداش وغيرها، وتصريحات العديد الأطباء عن تقاعس المسؤولين عن اتخاذ الإجراءات الحاسمة والسريعة لحماية الطاقم الطبي والمرضى، مما يجعل الوضع كارثيا إذا قورن بأماكن العمل التي يفتقد الكثير منها إجراءات الأمن الطبي والصناعي البسيطة، فضلا عن مواجهة وباء قاتل سريع وواسع الانتشار.

بمن نضحي؟
يقول رجال الأعمال الداعون لعودة العمل إن وفيات وباء كورونا محدودة وتقتصر على المسنين، وإن أغلب الشعب المصري من الشباب، وإنه حتى في حال إصابته فسيشفى سريعا.

لكن هذا الرأي يتجاهل أن عدد المسنين في مصر (60 عاما فأكثر) ليس بالقليل إذ يبلغ أكثر من 6.5 ملايين مسن ما زال أكثر من 1.2 مليون منهم يعملون في مجالات مختلفة بين الزراعة والصيد والتجارة وأنشطة النقل والتخزين وغيرها، وفق إحصائيات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

إضافة إلى ذلك، فإن القطاع الطبي المنهك في مصر وخاصة في المستشفيات العامة يعاني بالفعل من أجل تلبية احتياجات أصحاب الأمراض المزمنة والحالات التي تحتاج إلى رعاية مركزة، فإذا حدث السيناريو الكارثي بتزايد أعداد المصابين بفيروس كورونا وما يتطلبونه من رعاية صحية مكثفة يعني أن يكون ذلك على حساب أصحاب الأمراض الأخرى، وهو ما يزيد من فداحة الخسارة البشرية.

كما يثور تساؤل آخر هو لمن ستكون الأولوية في حال تزايد الحالات التي تحتاج إلى الرعاية المركزة؟ هل ستكون ساعتها للفقراء أم للأغنياء؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد