قـوة الشك الذاتي

0

ملاحظة: هذا المقال مأخوذ عن الكاتب “مات كروسمان” (Matt Crossman) والذي يحدثنا فيه عن أهمية الشك الذاتي وكيفية تأثيره في حياته.

لقد أجريت مقابلة معه لأول مرة منذ 15 عاماً، وكان لدي سؤال متعلق بسباق السيارات لطالما رغبت في معرفة إجابته؛ لكنَّني لم أسأل أي شخص مطلقاً خشية أن يكشف السؤال جهلي، لقد كان هو واثنان من السائقين النجوم الآخرين أعسرَين؛ وهذه بالتأكيد عينة صغيرة لا يمكنك أن تبني عليها استنتاجاً؛ ولكن بدت النسبة متقاربة، وبالنظر إلى أنَّ معظم سباقات ناسكار (NASCAR) يجلس فيها السائقون على الجانب الأيسر من السيارة ويتجهون يساراً لساعات متتالية، تساءلت: هل تمنحه اليد اليسرى هو وغيره من العُسُر ميزة عن السائقين الذين يستخدمون اليد اليمنى؟

كان بإمكاني قضاء بقية حياتي في التفكير في الأمر وعدم معرفة ما إذا كان هذا السؤال مثيراً للاهتمام أم غبياً؛ ففي ذلك الوقت، لم يكن ستيوارت دائماً الشخص الأكثر ودّاً لإجراء مقابلة معه؛ فعندما يكون في مزاج جيد، تجده لطيفاً ومُسلياً ويُقدِّم إجابات ستظل تفكر فيها بعد 15 عاماً؛ وعندما يكون في مزاج سيء، يقدم إجابات ساخرةً ولاذعةً للأسئلة الغبية ويحطُّ من قيمة السائل.

لذا فإما أن أحصل على إجابة جيدة، أو رد عنيف؛ وبما أنَّني أعلم ذلك، فقد استخدمت الأسلوب القديم في التأكد من أنَّ لدي معلومات كافية لقصتي قبل طرح سؤال قد يؤدي إلى إنهاء المقابلة. ولحسن حظي، لقد كان في مزاج جيد آنذاك، فانسجمنا على الفور وسارت المقابلة بشكل رائع:

  • بدأتُ بالحديث: “لدي سؤال غبي”.
  • ستيوارت: “هل تعرف الجواب؟”.
  • أنا: “لا”.
  • ستيوارت: “إذاً كيف يمكن أن يكون سؤالاً غبياً؟”.

تبدأ سباقات السيارات بالتلويح بعلم أخضر، وقد كان هذا النقاش بمنزلة العلم الأخضر للبدء بمعرفة أنَّ شعوري بالراحة عندما أبدو كالأحمق قد يكون مفيداً بالنسبة لي، وقد بت أفكر في هذا النقاش عندما أشعر بالشك الذاتي أو قلة الثقة أو متلازمة المحتال المرعبة؛ إذ يشكك الأشخاص الذين يعانون من متلازمة المحتال في إنجازاتهم ومواهبهم ومهاراتهم ويخشون التعرض إلى الاحتيال.

هل يشعر جميع الناس بهذه المتلازمة طوال اليوم وكلَّ يوم؟

أنا بالتأكيد أفعل ذلك، إذ أشعر وكأنَّني محتال طوال الوقت، ولن أعرف ماذا أفعل إذا اعتقدت فجأة أنَّني أعرف ما كنت أفعله؛ فليس لدي شك في أنَّني سأضيع بلا ريب، وأعتقد لو أنَّني نظرت إلى حياتي المهنية، سأجد أنَّني لست جاهلاً كما كنت في السابق؛ لكن، لا يزال هذا يترك مجالاً كبيراً للشك، فقد رغبت لسنوات في الشعور بأنَّني قد حققت هدفي، وتساءلت إلى متى سأبقى كاتباً قبل أن أتوقف عن الشك فيما إذا كنت أعرف ما أفعله أم لا؟

وبعد ذلك، لم أقبل الشك الذاتي فحسب، بل تبنَّيته في حياتي وبتُّ أشعر بالقلق عندما أفتقده.

كتب أحد أصدقائي مقالاً مذهلاً ذات يوم، وهو يفعل ذلك كثيراً لدرجة أنَّه ربما يجب عليَّ ضبط بريدي الإلكتروني للرد التلقائي في كل مرة ينشر فيها قصة؛ وعلى أي حال، كتبت له أخبره عن مدى إعجابي بهذا المقال بالذات.

فردَّ برسالة أخرى يشكرني فيها؛ لقد كان سعيداً لسماع ذلك؛ لأنَّه اعتقد أنَّ مقاله كان مثيراً للاشمئزاز عندما نشره.

لقد كانت قصته رائعة بكل ما تعنيه الكلمة، ومع ذلك شكَّك فيها؛ فإذا كان صديقي يشكك في قصته، فهذا يعني أنَّ الجميع يشكِّكون، وإذا كان الجميع يشكِّكون، فهذا يعني أنَّه كان علي إيجاد طريقة للتعايش مع شكوكي.

والآن، يحفزني الشكُّ الذاتي بدلاً من أن يعيقني.

هل تعرف من يعاني من الشك الذاتي؟ إنَّهم الأشخاص الذين تميزت حياتهم المهنية بالكفاح مثل: الرياضيين والموسيقيين والفنانين، أما الذين لا يشكِّكون فهم أولئك الحمقى الذي يصيحون على شاشات التلفاز، والأغبياء الذين يتظاهرون بالورع على وسائل التواصل الاجتماعي.

يحتاج العالم إلى مزيد من الشك الذاتي، وليس أقل؛ فدواء الشك في قدرتك على فعل شيء ليس هو الثقة بالنفس، بل القيام به على أياً تكن الظروف مع الحفاظ على شكوكك. وحل الشك ليس بالإيمان بنفسك، بل بالشجاعة التي تحتاجها للاستمرار في كل الظروف.

يجب أن نستمع إلى “تيد توك” (Ted Talks) حول تبنِّي الشك بدلاً من الهراء المستمر بأنَّك “تستطيع فعل ذلك”، فإن قلتُ لنفسي: “أستطيع فعل ذلك”، فهذه علامة أكيدة على أنَّني لا أستطيع، والأسوأ من هذا إذا قال لي ذلك شخص آخر، لأنَّهم يقولونه فقط عندما يبدو الأمر كما لو أنَّني لن أنجح في تحقيق ذلك الأمر.

أشك في أنَّ بدايات قصصي جيدة، وأتساءل عمَّا إذا كانت النهايات تستحق الوقت الذي استغرقته ضغطات المفاتيح في إنشائها، ناهيك عن متن النصوص التي كتبتها؛ فطريقة تحسين قصصي هي بالتأكيد عدم إخبار نفسي بأنَّني جيد بما فيه الكفاية، ذلك لأنَّني عندما أستمع إلى شكوكي، تظهر القصص بشكل أفضل بكثير ممَّا لو كنت أعتقد أنَّ كلماتي تفيض بالحكمة.

فالشيء الوحيد الذي أثق به هو أنَّ نقص الثقة لا ينفصل عن حافزي في التحسن؛ إذ يدفعني الشك إلى إجراء مكالمات هاتفية إضافية، والكتابة وإعادة الكتابة مرة أخرى، ويدفعني أيضاً إلى البحث عن مُرشدين، وطلب المساعدة من أقراني للتخلص من الافتتاحية الأصلية للقصة واستبدالها بشيء أكثر ترابطاً.

نعم، لقد فعلتُ ذلك من قبل، وإذا كنت تعتقد أن افتتاحية ناسكار سيئة، فيجب أن تقرأ غيرها من الافتتاحيات التي كتبتها، وبالعودة إلى تلك الافتتاحية: كانت إجابة ستيوارت على السؤال عمَّا إذا كان استخدام يده اليسرى يمنحه أفضلية هي: “لا أعرف، لم أكن ممَّن يستخدمون أيديهم اليمنى قطُّ”.

فهل كان صادقاً أم ساخراً؟ ربما كلاهما، لكنَّني لست متأكداً، لم أسأله لأنَّني لم أرغب أن أبدو أحمقاً!!

 

المصدر

Source: Annajah.net
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد