المجتمع

كيف تعرف أسباب الفوضى والشعور بالحيرة؟

Advertisement

ملاحظة: هذا المقال مأخوذ عن الكاتب “مارك مانوسن” (Mark Manson)، والذي يُحدِّثنا فيه عن طريقة معرفة أسباب حدوث الفوضى والشعور بالحيرة.

لا تقلق، لن أناقشك في أمورٍ سياسة هنا؛ ولكنِّي أود اغتنام هذه الفرصة لإرشادك إلى كيفية معالجة الأحداث العامَّة المثيرة والمزعجة كهذه؛ فأنا أعتقد أنَّ هذا هام للغاية كوننا أصبحنا سيئين في معالجة هذه الأحداث بطريقة مُجدية في الوقت الحالي؛ نظراً لانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، والكاميرات، والتغطية الإخبارية على مدارِ الساعة طوال أيام الأسبوع.

بالنسبةِ لي، لقد تعلمت أن أقرأ مثل هذه الأخبار بطريقة أكثر موضوعية، وفي حين أنَّ هذا ليس عملاً يسيراً، سأخبرك كيف أقوم به: أولاً: عند معالجة أي موضوع صعب -وقبل أن أبدأ حتى- أحاول تذكير نفسي ببعض الأمور:

1. يوجد القليل من الشر في العالم، ولكنَّ الغباء والأنانية منتشران بكثرة:

باستثناء الأمور الشنيعة، معظم الناس ليسوا مدفوعين بالنوايا الشريرة؛ بل العكس هو الصحيح، حيث يقوم معظم الأشخاص بأشياء فظيعة بحسن نيَّة؛ لذا لا ينبغي أن نفترض أنَّ نوايا الناس شريرة أو سيئة، بل أن نحاول فهم لماذا يعتقدون أنَّ ما يفعلونه هو خير مطلق.

2. يعاني الناس جميعهم، والسؤال هو “ما سبب معاناتهم؟”:

من السهل الوقوع في فخ الاعتقاد بأنَّه لا ينبغي أن يتعرَّض أي شخص للإهانة، أو التهجم، أو الأذى، أو التهديد، وما إلى ذلك، وهذا الأمر ليس منافياً للواقع فحسب، لكن إذا كنَّا راغبين في التصدي لجماعات أو أفراد أو أفكار خطيرة، فلا بد أن نكون على استعداد للتضحية؛ لذا، فإنِّ السؤال ليس ما إذا كان الناس يجب أن يعانوا أم لا، بل ما إذا كانوا يعانون لسببٍ وجيه فعلاً.

Advertisement

شاهد بالفيديو: 7 نصائح هامة كي تحافظ على اتزانك في العزل الذاتي

3. استعد لرؤية التناقضات:

قد يكون الأفراد والجماعات خيِّرين وشرِّيرين في الوقت نفسه، وينطبق الأمر نفسه على الآراء، فقد تسمع وجهتي نظر متعارضتين، وتجد أنَّ كلاً منهما صحيحة جزئياً وخاطئة جزئياً، أو تجد أدلَّة لقضيةٍ معقدة ما وتقترح استنتاجات متناقضة؛ فاستعد لرؤية كل هذه التناقضات، واعلم أنَّ عقلك سيحاول أن يدفعك للشعور بالراحة بشكل أو بآخر، ولكن لا تقع في فخ الرضا الذهني، أو قبول أكثر الآراء راحةً بالنسبةِ لك، فالحياة معقدة، والمشكلات معقدة، فاستعد للشعور بالحيرة إزاءها.

بعد وضع هذه الافتراضات، أبدأ بعد ذلك بطرح سلسلة من الأسئلة على نفسي، وأجري بحثاً حول الإجابات:

ما هي السابقة التاريخية؟

لا يوجد شيء يحدث حالياً لم يحدث لمرَّاتٍ عديدةٍ عبر تاريخ البشرية؛ فالمجتمعات البشرية، في أغلب الأحوال، تتَّسم بالعيوب نفسها وترتكب الأخطاء نفسها؛ ولكنَّنا ننسى تلك الأخطاء بعد جيل أو جيلين؛ ولذا نكرِّرها في نهاية الأمر.

إنَّ تبنِّي منظور تاريخي أمر مفيد للغاية؛ لأنَّه يمنعك من التفكير في أنَّ ما يحدث هو نهاية العالم، ومن الاعتقاد بأنَّك وحدك من تعاني؛ فقد مرَّ كل جيل من قبل بصراعٍ مماثل، كما سترى أنَّ الأمور قد تحسنت في نهاية المطاف.

من المؤسف أنَّ أعمال الشغب والتمييز العرقي هي جزء أصيل من تاريخنا البشري، ورغم التقدُّم الكبير الذي أُحرِزَ على مدار المئة عام الماضية، إلا أنَّ هذه المشكلة لا تزال كبيرة حتى اليوم.

ما هي الانحيازات البشرية التي لها دور فيما يحدث؟

إذا كان هناك درس نفسي واحد لا بد أن يتعلَّمه الجميع في المدرسة، فهو أنَّ المفاهيم البشرية غير دقيقة في الأساس؛ إذ يفضِّل عقلك الطُرق المُختصَرة، والتي تخدم المصالح الذاتية إلى حدٍّ كبير؛ ونتيجة لذلك تقع مفاهيمنا باستمرار في فخاخٍ شائعة، وما لم نكن على دراية بها، فسنقع فيها مراراً وتكراراً.

في الواقع، يوجد العديد من هذه الانحيازات، ولكنِّي وجدت أنَّ ما يلي هي أكثرها شيوعاً وتأثيراً:

  • تحيز الفاعل – المراقب: عندما يرتكب الآخرون شيئاً خاطئاً، نفترض أنَّ نواياهم سيئة، وعندما نفعل الشيء نفسه، نفترض أنَّ نوايانا جيدة.
  • الانحياز التأكيدي: وهو الميل إلى البحث فقط عن الآراء والمواقف التي تعكس آرائنا وتعزِّز صحتها، وأفضل مثال على ذلك هو جميع وسائل التواصل الاجتماعي.
  • مغالطات التركيب والتفكيك: وهي الميل إلى الحُكم على مجموعة كاملة استناداً إلى تصرفات عضو واحد من تلك المجموعة، وأيضاً الميل إلى الحُكم على شخصٍ ما؛ بناءً على انتمائه إلى مجموعة مُعيَّنة.
  • الانحياز للتميز: الميل إلى التركيز على الأسباب التي قد تؤدي إلى ردود فعل عاطفية بصرف النظر عما إذا كان ذلك هاماً أم لا.
  • الانحياز إلى السلبية: الميل إلى الاهتمام بالأحداث السلبية وعدِّها أكثر أهمية من الأحداث الإيجابية. (ملاحظة: لهذا السبب تكون الأخبار سلبية دائماً).
  • انحياز التأثير: الميل إلى المبالغة في تقدير التأثير المستقبلي لكل ما يحدث في الوقت الحاضر.

إنَّ أهم انحياز في الوضع الراهن هو انحياز التركيب أو التفكيك؛ إذ تنجذب عقولنا نحو انقسام زائف مفاده أنَّ الشرطة والأشخاص ذوي البشرة السمراء متضادون دائماً؛ ولكنَّ الواقع أكثر تعقيداً من ذلك بكثير.

لقد سارت الشرطة في بعض المدن جنباً إلى جنب مع المتظاهرين، بينما لم يتظاهر العديد من اللصوص والمشاغبين البيض على الإطلاق، ولقد كان معظم المتظاهرين مسالمين، وكذلك معظم رجال الشرطة، ولكن بسبب انحيازنا إلى السلبية، رأينا وتذكَّرنا الأحداث العنيفة من كل جانب.

وبسبب انحيازنا إلى التمييز، بالغنا في التركيز على تصرفات من يمارسون العنف أكثر من الأغلبية المسالمة، وبسبب مغالطات التركيب والتفكيك، وضعنا افتراضات حول مجموعتين كبيرتين بناءً على تصرفات عدد صغير من الأفراد.

كلما كان الحدث أكثر إثارة عموماً، أصبحت عقولنا أكثر “إرهاقاً” وفكَّرنا “بطرائق مُختصَرة” مثل تلك المذكورة أعلاه، وإذا أدركت هذه الانحيازات، فستبدأ قريباً في ملاحظة أنَّ 95٪ على الأقل من جميع “الآراء” السياسية هي ببساطة شكل أو آخر من أشكال الانحياز، في الواقع، صُمِّمَت الكثير من وسائل الإعلام للاستفادة من هذه الانحيازات لجذب انتباهك؛ فالأحزاب اليمينية تفعل ذلك، والأحزاب اليسارية أيضاً. باختصار، كلنا نفعل ذلك، وفقط من خلال تعلُّم اكتشاف هذه الانحيازات في نفسك والآخرين يمكنك البدء في التراجع عنها؛ ففهم الانحياز المعرفي هو نوع من الحرية الذهنية التي يجب اكتسابها من خلال الجُهد المستمر.

ما هي الاتِّجاهات الاجتماعية والاقتصادية الرئيسية المؤثرة؟

من الصعب رؤية أعمال الشغب التي حدثت أثناء العزل الصحي نتيجة لانتشار فيروس كورونا على أنَّها مصادفة بحتة؛ فلقد حدثت احتجاجات حركة “حياة السود مهمة” (Black Lives Matters) بانتظام على مدار السنوات الخمس الماضية، ولكنَّها كانت دائماً سلمية ومنظمة.

أتذكَّر أنَّني أخذت دورة حول الجغرافيا السياسية في الجامعة مع أستاذ كان يقول مراراً وتكراراً: “تبدأ الحركات الثورية والاضطرابات المدنية دائماً بأعداد كبيرة من العاطلين عن العمل (خاصةً الشباب)؛ إذ يمتلكون أكبر قدر من الطاقة والغضب إزاء العالم، فضلاً عن عدم الخوف من خسارة أي شيء، أو وجود شيء أفضل ليفعلوه”.

وبسبب جائحة “كوفيد-19” (COVID-19)، استُغنيَ عن حوالي 40 مليون أمريكي وسُرِّحوا من عملهم، فأثَّرت عمليات التسريح هذه للغاية في الطبقة العاملة، ولا سيما الأقليات والشباب.

وبالتالي، تبدأ الصورة في التوضُّح؛ إذ ثار الغضب بين عامَّة الشعب بسبب موت رجل من ذوي البشرة السوداء على يد ضابط شرطة؛ ممَّا أدَّى إلى اندلاع احتجاجات حاشدة في جميع أنحاء البلاد، وكان المحتجون في البداية هم أعضاء جماعات الحقوق المدنية من أجل المساواة العرقية؛ ولكن في خضم الفوضى الناجمة عن الحظر، والغضب المكبوت، وإحباط الشباب، والعاطلين عن العمل؛ خرج الأمر عن السيطرة.

ويقودنا هذا إلى الاتجاه طويل الأمد الأخير، أو الإحباط الحقيقي الذي أعتقد أنَّه يعزِّز هذه الاضطرابات، وهو الافتقار التام والمطلق إلى القيادة الفعالة في الولايات المتحدة؛ فأنا في السادسة والثلاثين من العُمر، ومع المشكلات المعوِّقة المتعلقة بالرعاية الصحية، والتعليم، والعنف، والهجرة، وتغير المناخ، وانخفاض الأجور، وعدم المساواة في الدخل، والمساواة العرقية التي رأيتها على مدار حياتي باستمرار، لم أرَ حكومتي تساعد أو تحل أيَّاً من هذه المشكلات على الإطلاق، ولم أرَ الأمور تتحسن في هذا البلد من قبل، بل تسوء أكثر فأكثر، حتى أنَّني لم أكن على قيد الحياة أثناء الهبوط على سطح القمر، ولكنِّي كنت على قيد الحياة عند سماعي عن مقتل أصدقائي وزملائي في حروب خارجية لا طائل منها استنزفت شعبنا، وتبع ذلك تخرجي في الجامعة في أسوأ انهيار اقتصادي منذ 86 عاماً، تلاه ثلاثة عشر عاماً أخرى من عدم وجود حلول على الإطلاق.

لم يجدوا حلَّاً لخمسة وأربعون عاماً من عدم وجود نمو حقيقي في الأجور للطبقتين المتوسطة والدنيا، ولم يجدوا حلَّاً عند إطلاق النار على روضة أطفال ببنادق هجومية، ولم يجدوا حلَّاً لـ 11 مليون حالة إفلاس بسبب فساد واختلال نظام الرعاية الصحية.

يوجد جيل كامل من الشباب مثقل بأكثر من تريليون دولار من الديون لمجرَّد الذهاب إلى الجامعة، ثم طُلِب منهم البقاء في المنزل وعدم العمل بمجرد تخرُّجهم.

لذا، إذا كنت تتساءل عن السبب الذي يدفع الشباب للركض في الشوارع وتدمير كل ما يقع في أيديهم، فأنت تعلم الآن.

 

المصدر

Source: Annajah.net

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى