كيف يمكن للتعلم الحسي الحركي أن يساعدك على التعلم بفاعليَّة

0

صحيح أنَّه من المستحيل أن نصل إلى الكمال، ولكنَّ الممارسة هي الطريقة الوحيدة التي قد تقرِّبنا منه، ويُعدُّ التعلم الحركي هو السبيل الوحيد الذي يمكن من خلاله إيصال المهارات الحركية إلى هذا المستوى؛ فمن خلال هذا المفهوم، يمكننا تنمية مهاراتنا المختلفة في أي مجال، ولكن علينا التعلم بفاعليَّة من خلال التعلم بالطريقة الصحيحة.

ما هو التعلم الحركي؟

يُعرَّف التعلم الحركي على أنَّه مجموعة من العمليات الداخلية المرتبطة بالممارسة أو التجربة، والتي تؤدي إلى تغييرات دائمة نسبياً في قدرتنا على إتقان السلوك.

يستجيب دماغنا للمعلومات الحسية سواء من خلال ممارسة شيء ما أم تجربة مهارة معيَّنة تسمح بتطوُّر مَهمَّة حركية أو تعزِّز القدرة على إنتاج مهارة حركية جديدة. ويَحدث هذا لأنَّ جهازنا العصبي المركزي يتغيَّر ليسمح بحدوث ذلك قبل أي شيء آخر. وتُعدُّ إحدى المهارات الأولى التي تعلمناها كبشر مثالاً جيداً على هذا، وهي المشي، فبينما يعتقد بعض الناس أنَّ الأطفال الصغار يبدؤون في محاولة المشي بطريقة تلقائية، هناك عديدٌ من العمليات المعقدة في هذه المهارة.

في الواقع، التعلُّم الحركي هو السبب الذي دفَع الناس إلى تعلُّم المشي؛ إذ حاولنا جميعاً المشي لأنَّنا رأَينا -قبل شهور من محاولة اتِّخاذ خطواتنا الأولى- مدى أهمية ذلك الفعل، وشاهدنا عديداً من الأشخاص يمشون وفهِمنا مدى فائدة السير على قدمين.

المراحل الثلاث للتعلم الحركي:

يوجد دوماً مزيدٌ من المعرفة التي يُمكِن اكتسابها عن طريق التعلم الحركي أكثر مما قد تعتقد؛ إذ اكتشف الباحثون على مر السنين أنَّ هناك ثلاث مراحل للتعلم الحركي، وهي:

  • التعلم المعرفي.
  • التعلم الترابطي.
  • التعلم الذاتي.

وكل مرحلة لها متطلباتها التي تضيف مزيداً من التطوُّر إلى تجربة التعلم، لذا دعونا نتعمَّق أكثر في شرح كل منها:

1. المرحلة المعرفية:

تُعدُّ المرحلة المعرفية هي المرحلة الأساسية التي يَحدث فيها القدر الأكبر من التعلم، وفي هذه المرحلة، لا نكون قلقين بشأن كيفية القيام بالمهارة بطريقة صحيحة، ولكن نهتم أكثر بالسبب الذي يكلِّفنا عناء تعلُّم المهارة. وبمجرد أن نفهم ذلك، نبدأ في التجربة وارتكاب الأخطاء، أو كما نسمِّيها “الممارسة”، ولكنَّ الفكرة أنَّه في هذه المرحلة، يجب إجراء التجربة ولو مرات قليلة على الأقل بدلاً من إتقانها نظرياً.

بالإضافة إلى ذلك، نعتمد في هذه المرحلة على التوجيه اعتماداً كبيراً؛ لذا يجب أن يكون هناك كوتش أو مدرِّس يعمل على توفير بيئة تعليمية جيدة خالية من المُشتِّتات، كما يجب أن تُستخدَم فيها العناصر المرئية، وأن يشجِّع المعلِّم على إجراء التجارب وارتكاب الأخطاء لتوجيه عملية التعلم.

وأحد الأمثلة على هذه المرحلة من التعلُّم هو مثال المشي كما ذكرنا آنفاً، ولكن هناك أمثلة أخرى أيضاً مثل: قيادة السيارة أو ركوب الدراجة. حيث لا تنتهي صلاحية هذا الأسلوب في مرحلةٍ عمرية ما، فحتى عندما نكون أكبر سناً، قد ينجح معنا أيضاً.

2. المرحلة الترابطية:

في هذه المرحلة، نكون قد فهمنا المحتوى التعليمي فهماً جيداً وعرفنا ما ينبغي علينا القيام به لأداء مهارة معيَّنة؛ وبالتالي، يأتي دور الممارسة. ولكنَّ المشكلة، هي عدم قدرتنا على أداء هذه المهارة ببراعة كما يفعل الآخرون؛ أي أنَّنا نعرف ماذا نفعل بالضبط، ولكن لا نعرف كيف نفعله جيداً، وهنا يأتي دور القول المأثور “الممارسة تؤدي إلى الكمال”؛ إذ كلما مارسنا أكثر تمكَّنا من صقل هذه المهارة وتعزيزها.

على سبيل المثال: نجد أنَّ الأشخاص الذين يمارسون التمرينات الرياضية يصبحون أفضل وأقوى وأكثر تمكُّناً من هذه المهارة كلما مارسوها أكثر؛ لأنَّ ممارسة الشيء تزيد فهمنا له، وتكشف لنا عن نقاط ضعفنا كي نعزِّزها ونتغلب عليها.

3. مرحلة التعلم المستقل:

في هذه المرحلة، نفعل كل شيء تعلَّمناه بتلقائية إلى حدٍّ ما، ويستمر هذا على الأمد البعيد. فقد يكون بإمكاننا التحسُّن أكثر، لكنَّنا لسنا بحاجة إلى التفكير مليَّاً قبل أداء مهمَّة معيَّنة؛ إذ تصبح أجسامنا متكيِّفة على القيام بذلك. ومن الأمثلة على ذلك المهارات التي نؤديها في العمل، مثل: الكتابة أو تشغيل الآلات أو رفع الملفات، أو غيرها من المهارات التي لا تتطلَّب منَّا تفكيراً قبل القيام بها.

مبادئ التعلم الحركي:

تُعدُّ مبادئ التعلم الحركي قليلة ومتباينة فيما بينها، وهناك إجماع عموماً على أنَّ تعلُّم مهارة حركية جديدة لا يعتمد على قدر الوقت المُستغرَق في الممارسة، ولكن على الطريقة التي نمارسها بها. وقد طُرحت هذه الفكرة في دراسةٍ عام 2016 نُشرت في مجلة “ساينس أليرت” (Science Alert)، حيث اكتشف العلماء أنَّ إجراء بعض التغييرات على طريقة ممارستك قد يعزِّز تجربة تعلُّمك إلى حدٍّ بعيد.

ومن هذا المنطلَق، تركِّز المبادئ الأساسية على منهجية التعلم، وتضمَن متابعة مراحل التعلم الثلاث، والتي تُعدُّ بسيطة من حيث المفهوم. ويعدُّ المبدأ الأساسي للتعلم الحركي هو تعزيز المهارة لدرجةٍ تجعلنا نطبِّقها بلا وعي.

وتُعدُّ الدراسة التي ذكرناها إضافة جديدة لهذا المبدأ؛ لأنَّها تعلِّمنا أنَّ إجراء تعديلات على طريقة ممارستنا قد يؤدي إلى تطوُّر جوانب جديدة من التعلم يساعدنا على إثراء تعلُّمنا وإتقان المهارات التي نهدف إليها.

كيف نطبِّق نظرية التعلم الحركي للتعلُّم بفاعلية؟

تتمحور النظرية كما ذكرنا حول ممارسة أساليب حركية حتى يصبح أداؤها تلقائياً، ويتطلَّب هذا إجراء التجارب وإجراء تغييرات صغيرة من أجل تحسين أداء المهارة. ولكي نطبِّق ذلك ونتمكَّن من تعزيز مهاراتنا، يجب أن نعرف تلك الدراسة التي وَجدَت شيئاً يسمَّى “إعادة توحيد الذاكرة”، ولقد صرَّح الدكتور “بابلو أ. سيلنيك” (Pablo A. Celnik) أحد ناشري تلك الدراسة بما يلي:

“لقد وجدنا أنَّك إذا مارستَ مَهمَّة تريد إتقانها باتباع طريقة معدَّلة قليلاً، ستتعلم أكثر وأسرع ممَّا لو استمرَّيتَ في ممارسة الشيء نفسه بالطريقة نفسها بالضبط مراتٍ عدَّة متتالية”. ولقد أكَّد “سيلنيك” على أهمية هذا الأمر، قائلاً:

“تُعدُّ نتائجنا هامَّة لأنَّنا لم نكن نعرِف من قبل سوى قليلاً حول كيفية إعادة توحيد الذاكرة فيما يتعلق بتنمية المهارات الحركية، ويوضِّح هذا كيف يمكن أن تؤدي التغييرات البسيطة في أثناء الممارسة إلى مكاسب أسرع وأكبر في المهارات الحركية بسبب إعادة التوحيد هذا”.

بعبارةٍ أخرى، باستخدام إعادة توحيد الذاكرة، يمكننا التعلُّم على نحوٍ أسرع واكتساب القدرة على أداء مهارة ما بسرعة من خلال ممارسة شيء ما لساعاتٍ عدَّة مع إجراء تغييرات بسيطة؛ إذ يعزِّز هذا الاختلاف الممارسة؛ لأنَّ تذكُّر ذكرياتنا ليس عمليةً جامدة؛ فسواء كنتَ تتعلم مهارة جديدة أم تتذكَّر حدثاً ما، تغيِّر طريقة التذكُّر الذاكرة نفسها. ومن حيث الجوهر، تصبح ذكرياتنا غير موثوقة إلى حدٍّ كبير؛ لأنَّنا نركِّز على تلك الذكريات ونغيِّرها بمهارة في ضوء الأحداث الأخيرة؛ حيث يهتم الدماغ اهتماماً كبيراً بالنسخة الأكثر فائدة، ويتجاهل التفاصيل غير المفيدة.

في الختام:

من أجل تبنِّي التعلم الحركي في حياتك، ينبغي عليك حثُّ نفسك على إجراء تغييرات طفيفة على طريقة أدائك، مهما كانت المهارة التي تحاول القيام بها.

على سبيل المثال: إذا كنتَ تكتب، حاوِل أن تستخدم كلمة جديدة لم تستخدمها من قبل، والشيء نفسه إذا كنتَ تمارس العزف على آلة موسيقية، حاوِل أن تقوم بحركة جديدة للحصول على الصوت نفسه، أو إذا كنتَ تمارس التمرينات الرياضية، فحاوِل اللعب على عضلة مختلفة أو القيام بتغيير بسيط مثل طريقة الوقوف أو وضعية الجسم.

وأخيراً، تكمن فكرة التعلم الحركي في تبنِّي الممارسة باستمرار، حتى لو كنتَ في مرحلة تطبِّق فيها المهارات بتلقائية؛ إذ قد يدفعك هذا التغيير إلى الانتقال للمستوى التالي من تعلُّم تلك المهارة.

 

المصدر

Source: Annajah.net
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد