الموت الرحيم مصطلح يبدو غريباً على الثقافة العربية والإسلامية لكنه بالتأكيد ليس بالجديد، فهذا المفهوم ظهر لأول مرة في القرن السابع عشر ولا زال موجود حتي الآن، فإذا كنت تقرأ هذه الكلمات لأول مرة فأنت في المكان الصحيح، فقد قررنا اليوم في الموسوعة أن نشارككم كافة المعلومات عن الموت الرحيم وأنواعه وتاريخ نشأته، بالإضافة إلى الموت الرحيم في الإسلام.
الموت الرحيم
بداية دعنا نؤكد على أن هذا المفهوم لم يظهر حديثاً، فقد ظهرت كلمة الموت الرحيم لأول مرة في عهد الإمبراطور اوغسطس، و كان يُقصد بها الموت الهادئ الذي حظي به هذا الإمبراطور بين يدي زوجته.
ثم تطور المفهوم مع الوقت ليأخذ معني طبي في القرن السابع عشر على يد الفيلسوف “فرانسيس بيكون”، والذي أشار له بالموت الخارجي حيث يختار الطبيب وسيلة سهلة لتخفيف معاناة المريض وإنهاء حياته.
مفهوم الموت الرحيم
هو مجموعة الأفعال والممارسات التي تهدف لإنهاء حياة المريض والتخفيف من الآمة ومعاناته. وقد اختلف هذا المفهوم على مر العصور من حيث استيعاب الناس له وفهمهم لممارسته، لكن لجنة أداب مهنة الطب في بريطانيا قد قامت بتعريفه بالأتي:
“إن القتل الرحيم هو القيام بإجراء طبي مقصود ومصحوب بنيه مُعلنة لإنهاء حياة الشخص، والتقليل من الألم والمعاناة التي يمر بها المريض”
أنواع الموت الرحيم
ينقسم الموت الرحيم إلى أكثر من نوع طبقاً لموافقة المريض من عدمها، والإجراءات المتبعة فيه، وإليك التصنيف بشيء من التفصيل:
الموت الرحيم الإجباري
يُقصد بهذا النوع من القتل إنهاء حياة المريض دون موافقته ورغماً عنه، حتي وإن كان بغرض تخفيف ألمه أو معاناته مع المرض. ويتم اعتبار هذا النوع من القتل بالقسري لآنه يحدث دون موافقة من المريض نفسه ويُصنف على أنه جريمة قتل.
الموت الرحيم الطوعي
يُقصد بهذا النوع من الموت إنهاء حياة المريض بعد الحصول على موافقته والتأكد من رغبته الشخصية في الموت، ويعتبر هذا النوع من الموت انتحار لكنه بمساعدة طبيب.
يوجد الكثير من البلاد الأوروبية التي تسمح بهذا الإجراء بعد التأكد من موافقة المريض عليه، مثل بلجيكا، وسويسرا، وهولندا، وولاية واشنطن و أوريغون في أمريكا.
الموت الرحيم غير الطوعي
يُقصد بهذا الإجراء إنهاء حياة المريض دون الرجوع إليه أو الحصول على موافقته، وتوجد الكثير من الأمثلة عليه مثل فصل الأجهزة عن أحد مرضي الغيبوبة بعد اختفاء أي أمل في شفاءه من جديد.
ويتم استعمال الموت الرحيم مع بعض حالات الطفال الرضع الميؤوس من شفائهم، حيث تتم موافقة الأهل على تخفيف معاناة الطفل وفصل الأجهزة المتصلة بجسده مما يترتب عليه إنهاء لحياته.
الجدل في قضية الموت الرحيم
تعتبر هذه القضية من القضايا الجدلية التي تمت مناقشتها مراراً وتكراراً في المجالس العلمية والدينية، ويعود السبب في هذا الجدال إلى الاختلاف بين النظرة العلمية المجردة للأمور وبين النظرة الدينية والروحية لها.
بداية يجب أن نستعرض الآراء المتباينة فيما يختص بقضية الموت الرحيم، فعلى الجانب الطبي يوجد بعض الأطباء الذين يؤمنون بأن الموت قد يكون سبيل لإنهاء الألم الذي يعاني منه الكثير من المرضي خاصة في الحالات المزمنة. بينما على الجانب الأخر فقد اقر 40% من الأطباء بالولايات المتحدة الأمريكية رفضهم لفكرة القتل الرحيم تأكيداً على مبدأ أن الطب هدفه العلاج وليس القتل.
أما الناحية الدينية فنجد أن كلاً من الديانة اليهودية والمسيحية ترفض هذا النوع من القتل بأنواعه، باعتباره مخالفاً لوصية “لا تقتل” في حالة الموت الغير طوعي، بينما الموت الطوعي فهو أنتحار وهو الأمر المرفوض أيضاً في جميع الأديان السماوية.
الموت الرحيم في الإسلام
إن الإسلام قد حرم القتل كما قال في قوله تعالي ” مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا” سورة المائدة- 32، وفي حديث عن الرسول صلي الله عليه وسلم ” لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق” صدق رسول الله صلي الله عليه وسلم.
ولهذا فإن الغالبية العظمي ترفض الموت الرحيم بأنواعه وتعتبر الموت الرحيم الغير طوعي بمثابة قتل للنفس، أما القتل الطوعي وبموافقة المريض فهو أنتحار وهو أيضاً محرم. لكن علماء الإسلام قد فرقوا بين الموت الرحيم والموت الاكلينيكي ويُقصد به موت الدماغ حيث يكون الأمل من الشفاء شبه معدوم ومع ذلك يتم وضعه تحت أجهزة للإبقاء على حياته.
في النهاية كان رأي مجمع الفقه أن التقدير يجب أن يعود للطبيب في تحديد الحالة الصحية للمريض، وهل الإبقاء على حياته يفيده أم يسبب له الآم لا طائل من ورائها، وبهذا يكون الرأي الأخير للعلم في تحديد مدي الاستفادة من خضوع المريض لمزيد من العلاج.
في النهاية إن قضية الموت الرحيم قضية متشعبة للغاية وتحمل بين جنباتها الكثير من التساؤلات الغامضة التي لم يتم الإجابة عليها إلى اليوم، لكن الأمر الأكيد في هذه القضية هو أن لكل وقت حاجته فكما قال الإمام أبو حنيفة (تتغير الأحكام بتغير الزمان) ولهذا لا يمكننا الحكم على هذه القضية بأحكام العصور الماضية وقوانينها… فقد تغير العالم بالفعل وتغيرنا نحن معه.
المراجع 1 _ 2 _ 3



