عبد المجيد عصر المجالي

الأمر لا يتعلق بالتقويم بقدر ما يتعلق بالحالة الوجدانية التي تصير «كازك»، والحنين الذي يصير «غازك».. في الشتاء بالذات تصبح الذاكرة نارا وقودها الذين حيينا بهم فماتوا، والذين وجدنا أنفسنا بهم فضاعوا منا في زحمة الخيبات!
يحين الشتاء حين أمد عينيّ في الدنيا فلا أُبصر سوى فروة أبي، تلك التي كنت ألوذ بها كلما كاد لي اخوتي.. وكان أبي قد غادر الدنيا وأنا على أعتاب الخامسة من عمري، لا أذكر عن هذا الرجل الشيء الكثير، كل ما أذكره أنه راجع المدينة الطبية وهو بكامل طوله وعرضه ثم عاد لنا بعد شهرين وليس في ضعفه كفؤ أحد، عاد هذه المرة وفي يده «السرطان»، حتى في آخر أيام عمره ورغم وهنه وقلة حيلته رفض أن يدخل بيتنا ويده فارغة!
ويحين الشتاء حين تحتضن غرفة أمي مؤتمرات القمة العائلية، لاسيما وأن غرفتها المقر الدائم «للصوبة».. في الشتاء تكتشف أن الجنة تحت أقدام الأمهات فعلاً ، أنا لا أتحدث عن الأمر من ناحية دينية فقط، بل دنيوية أيضاً : تحت سرير أمي ثمة أكياس فاكهة مما يشتهون، وعلب شوكلاتة مما يتخيرون، وأقراص دواء لكل داء، وعطور لن تجدها في أكبر المولات، وحقيبة فيها أوراق وصور تحفظ تفاصيل حياتنا أكثر منا!
ربما نلوذ بغرفتك ظنا بأن «الصوبة»تمنحنا الدفء يا أمي ، لكن سرعان ما يتبين لنا أن الدفء دفؤك، وأن العكاز المركون خلف سريرك لا يعينك على المشي بقدر ما يعيننا على الصمود، نهرب إليكِ لأن الابتسامة – حتى الابتسامة- لا تصل مرتبة «الضحكة» إلا عندك!
ويحين الشتاء حين يصبح صوت فيروز نشيدا وطنياً للحياة ، فهذا عاشق غض القلب يعترف لحبيبته أنه «حبيتك تا نسيت النوم»، فتبتسم بخجل وتؤكد له :»عندي ثقة فيك»! وذاك عاشق خبير يسأل محبوبته بعد انحباس «كيفك أنت» ليثبت لها أنه – رغم الجمود- «بعدك على بالي» وأن الحب القديم يتجدد تلقائيا كلما «رِجعت الشتوية» .. «شايف البحر شو كبير « تصبح دلالة قطعية على حجم الحب، و»زوروني كل سنة مرة» أعلى درجات القناعة، و»تعا ولا تجي» حين ننزف قطرة الأمل الأخيرة، ورغم ذلك لا زيارة في الأفق ولا مجيء مرتقبا، تتعاقب الفصول وتتبدل الوجوه ولا جديد: «وحدن بيبقوا» !
ويحين الشتاء حين يتبين لنا أننا مثل النمل تماما: نقضي الصيف والربيع والخريف في تخزين الذكريات، ثم نعتزل الحياة شتاءً ونقتات على ذكرياتنا!
كل شتاء وأنت الأغلى يا وطني، الأغلى على قلوبنا، والأغلى على جيوبنا!.