أحفورة "البانك روك": كائن إسفنجي يعيد كتابة تاريخ الحياة المبكرة

أحفورة “البانك روك”: كائن إسفنجي يعيد كتابة تاريخ الحياة المبكرة

بعد سنوات من تصنيفها خطأً كبقايا متحللة، يعيد العلماء تصنيف أحافير "ليدونيا جيغامينتيا" كواحدة من أقدم الحيوانات على الأرض. اكتشف كيف ساعدت "المسام" وشكل "البانك" الشائك في كشف هذا اللغز الجيولوجي.

Share your love

كندا

غالبًا ما يُوصف رواد موسيقى “البانك روك” بأنهم شخصيات يُساء فهمها دائمًا، ولعل هذا التشبيه هو الأنسب لوصف مصير مجموعة من الأحافير البحرية التي ظلت لسنوات طويلة تُعامل على أنها مجرد بقايا متحللة لا قيمة لها. لكن العلم، في تطور دراماتيكي، منح هذه البقايا “صك البراءة” وأعاد تصنيفها كحيوانات حقيقية، بل وأطلق عليها اسمًا مستوحى من المغني الشهير جون ليدون (المعروف بـ “جوني روتن”) من فرقة “سيكس بيستولز”، تكريمًا لمظهرها المشاكس.

من “نفايات” جيولوجية إلى اكتشاف علمي

لسنوات طويلة، تعامل علماء الحفريات مع عينات صخرية عُرفت باسم “بلاك بروكيا” (Blackbrookia) على أنها مجرد أشباه أحافير أو بقايا مواد عضوية متحللة. لكن بحثًا جديدًا نُشر في دورية Palaeontologia Electronica قلب هذه الفرضية رأسًا على عقب، كاشفًا عن كائن جديد أُطلق عليه اسم “ليدونيا جيغامينتيا” (Lydonia jiggamintia). هذا الاكتشاف لا يضيف اسمًا جديدًا للسجلات فحسب، بل يقدم لنا واحدًا من أقدم الحيوانات في السجل الأحفوري، يعود تاريخه إلى حقبة ما قبل الكامبري السحيقة.

رسم توضيحي فني لكائن ليدونيا جيغامينتيا يظهر بنتوءات شوكية ذهبية اللون فوق سطح صخري
تصور فني لكائن “ليدونيا جيغامينتيا” الإسفنجي، حيث تظهر النتوءات الشوكية التي ألهمت تسميته تيمناً بموسيقى البانك روك.

قام فريق بحثي بقيادة عالم الحفريات كريستوفر ماكين بتحليل 39 عينة مما كان يُعتقد أنها “بلاك بروكيا”، والتي عُثر عليها قبالة ساحل نيوفاوندلاند في كندا. ومن المفارقات أن بعض هذه العينات وُجدت بالقرب من موقع يُدعى “ميستيكن بوينت” (نقطة الخطأ)، وهي منطقة تشتهر باحتوائها على بعض أقدم الأحافير الحيوانية في العالم، بما في ذلك قنديل بحر يبلغ عمره 570 مليون عام اكتُشف حديثًا، إلى جانب العديد من أشباه الأحافير الخادعة.

مظهر “بانك” ووظائف حيوية متقدمة

عند النظر إلى “ليدونيا جيغامينتيا”، يبدو الكائن وكأنه يعيش “يوم شعر جيد” بمقاييس البانك روك. يشير الباحثون إلى أن هذا الحيوان كان يمتلك أنابيب تشبه الأصابع تبرز عموديًا في الماء فوق مسام تقع على سطحه العلوي، وهو دليل قوي على أنه كان يتغذى عن طريق الترشيح (Filter Feeder). لم يكن الكائن صغيرًا، فقد وصل طوله في بعض الحالات إلى ما يقارب 53 سنتيمترًا.

تميز جسم الكائن بكونه مستديرًا من طرف ومدببًا من الطرف الآخر، ويُرجح أنه كان يمتلك جسمًا علويًا مقببًا ينهار بعد الموت، مما يفسر شكله في الأحافير. ونظرًا لأن هذا الكائن كان يستوطن فوق كائنات حية أخرى، فإن شكله الخارجي ربما كان يتشكل بناءً على طبيعة السطح الذي ينمو تحته.

الدليل يكمن في المسام

كيف تحولت هذه العينات من مجرد “مواد متحللة” إلى حيوانات معترف بها؟ الإجابة تكمن في التفاصيل الدقيقة. يشير كريستوفر ماكين، الذي يعمل حاليًا في جامعة إسيكس بإنجلترا، إلى أن وجود المسام الشبيهة بمسام الإسفنج كان العلامة الفارقة التي نبهت الباحثين إلى أنهم أمام حيوان حقيقي وليس مجرد بقايا عشوائية قديمة.

صورة مقربة لسطح صخري رمادي تظهر عليه نتوءات صغيرة تمثل مسام الكائن الإسفنجي القديم
لقطة مقربة لأحفورة “ليدونيا جيغامينتيا” تظهر المسام الدقيقة، وهي الدليل الحاسم على أن هذه البقايا تعود لحيوان وليست مجرد مواد عضوية متحللة. المصدر: G. Pasinetti et al/Palaeontologia Electronica 2025

من حيث البنية والشكل، يشبه “ليدونيا جيغامينتيا” الإسفنجيات، ويُحتمل أن يكون سلفًا لبعض أنواع الإسفنج الحديثة. هذا الربط التشريحي يعزز فهمنا لتطور الحياة المعقدة قبل الانفجار الكامبري.

بين الموسيقى والتاريخ المنسي

لا تتوقف طرافة التسمية عند حدود موسيقى الروك؛ فالاسم الثاني للكائن “جيغامينتيا” (jiggamintia) يحمل بعدًا ثقافيًا وتاريخيًا عميقًا. إنه إشارة إلى فاكهة برية شوكية كانت تسمى “جيغامينت” (jiggamint) في لغة شعب الـ “بيوثوك”، وهم السكان الأصليون الذين استوطنوا منطقة نيوفاوندلاند لآلاف السنين قبل وصول المستوطنين الأوروبيين، والذين انقرضت ثقافتهم للأسف. (تُعرف هذه الفاكهة اليوم باسم عنب الثعلب أو gooseberry).

يؤكد ماكين أن أحافير الحيوانات من حقبة ما قبل الكامبري نادرة للغاية، خاصة تلك التي يمكن ربطها بأنواع لا تزال موجودة حتى اليوم. لذا، فإن أي اكتشاف جديد في هذا المجال لا يمثل مجرد إضافة رقمية، بل هو قطعة أحجية حاسمة تساعدنا على إعادة بناء المشهد الأول للحياة على كوكب الأرض، وتذكرنا بأن ما قد يبدو للوهلة الأولى مجرد “ركام” قد يخفي في طياته أسرار أجدادنا البيولوجيين الأوائل.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Stay informed and not overwhelmed, subscribe now!