Table of Contents
في العادة، تبدأ الاكتشافات العلمية الكبرى في مواقع الحفر الأثرية أو المختبرات المعقمة، لكن قصة هذا الاكتشاف بدأت بشكل غير متوقع تماماً: في شباك صيد قبالة الساحل الغربي لتايوان. بدلاً من الأسماك، سحب الصيادون فكاً سفلياً غريباً من قاع المحيط، ليمرّ هذا العظم برحلة طويلة من متجر للتحف القديمة وصولاً إلى المتحف الوطني للعلوم الطبيعية في تايوان. واليوم، وبعد سنوات من الغموض، يكشف العلماء أن هذا الفك يعود لواحد من أكثر أقرباء البشر غموضاً: “إنسان دينيسوفان”.
فك “بينغهو 1” يكشف هويته أخيراً
لسنوات طويلة، حار العلماء في تصنيف هذه الأحفورة التي أطلقوا عليها اسم “بينغهو 1” (Penghu 1). كان الفك سميكاً بشكل لافت ويحمل أسناناً ضخمة، مما دفع الباحثين في البداية لتصنيفه ضمن نوع غير معروف من جنس “هومو”. لكن دراسة جديدة نُشرت في دورية Science قلبت الموازين، حيث قدّم فريق بحثي بقيادة عالم الأنثروبولوجيا البيولوجية تاكومي تسوتايا أدلة كيميائية تضع هذا الفك في خانة الدنيسوفان.

هذا الاكتشاف لا يحل لغز الأحفورة فحسب، بل يعيد رسم خريطة انتشار هؤلاء البشر المنقرضين. فبعد أن كان وجودهم محصوراً في كهوف سيبيريا الباردة ومرتفعات التبت، تشير الأدلة الجديدة إلى أن الدنيسوفان وصلوا إلى جزر جنوب شرق آسيا وتكيفوا مع بيئاتها المتنوعة.
عندما تفشل الجينات، تتحدث البروتينات
واجه العلماء تحدياً كبيراً في دراسة “بينغهو 1”. فالأحفورة قضت وقتاً طويلاً مغمورة في مياه البحر، مما أدى إلى تلف وتلاشي الحمض النووي (DNA) بالكامل، وهو السجل الوراثي الذي يعتمد عليه العلماء عادةً لتحديد الهوية. وهنا لجأ الباحثون إلى تقنية بديلة وأكثر صلابة: تحليل البروتينات القديمة.
قام الفريق بتحليل 4,241 من بقايا البروتينات المستخلصة من الأحفورة. وكانت المفاجأة في العثور على تغيرين كيميائيين محددين في بنية الأحماض الأمينية؛ هذان التغييران معروفان بوجودهما لدى الدنيسوفان، بينما يغيبان لدى إنسان نياندرتال ويندر وجودهما لدى البشر المعاصرين. تقول شيلا أثرية، عالمة الأنثروبولوجيا القديمة بجامعة تكساس إيه آند إم: “استرجاع معلومات بروتينية من أحفورة مجهولة المصدر سُحبت من المحيط هو خطوة هائلة لم نكن لنحلم بها قبل عقد من الزمن”.
تكيف مذهل: من الجليد إلى المناطق الاستوائية
لا يقتصر الدليل على الكيمياء فقط، بل يمتد إلى التشريح. يتشابه فك “بينغهو 1” بشكل مذهل مع فك آخر للدنيسوفان عُثر عليه سابقاً في هضبة التبت بالصين. كلاهما يتميز بعظام سميكة، وأضراس ضخمة، وجذور أسنان ذات أشكال مميزة.
ورغم فشل محاولات تحديد عمر الفك بدقة بسبب غياب الكولاجين، يرجح العلماء أن إنسان دينيسوفان عاش في تايوان خلال فترات انخفاض منسوب مياه البحر التي ربطت الجزيرة بالبر الآسيوي، إما قبل 190,000 إلى 130,000 سنة، أو في الفترة الأحدث بين 70,000 و10,000 سنة مضت.
يشير هذا التوزيع الجغرافي الواسع إلى قدرة تكيفية هائلة لدى الدنيسوفان. فبينما عانت مجموعات بشرية أخرى، نجح هؤلاء في استيطان بيئات متباينة للغاية: من شتاء سيبيريا القارس، والهواء الخفيف في مرتفعات التبت، وصولاً إلى الغابات المطيرة والرطبة في تايوان الاستوائية.
هل نحن أمام نوع بشري جديد؟
رغم هذه الأدلة، لا يزال المجتمع العلمي منقسماً حول التصنيف الدقيق للدنيسوفان. يرى يوسوكي كايفو، من جامعة طوكيو، أن الدنيسوفان احتلوا معظم وسط وشرق آسيا، وأنهم تميزوا بتنوع في ملامحهم الجسدية حسب المنطقة. في المقابل، يقترح باحثون آخرون، مثل شيوجي وو من بكين، أن “بينغهو 1” وأحافير صينية أخرى قد تمثل نوعاً جديداً تماماً من البشر يُطلق عليه اسم Homo juluensis، يتميز بجمجمة ضخمة وعاش قبل حوالي 200,000 سنة.
ومع ذلك، تدعو بعض الأصوات إلى التريث. فمعظم أحافير الدنيسوفان عبارة عن شظايا وعظام متناثرة، ولم يتم استخراج حمض نووي من أكثرها اكتمالاً، مما يترك الباب مفتوحاً لاحتمال أن تعود بعض هذه العظام لأنواع أخرى مثل Homo erectus.
إن اكتشاف تايوان يضيف قطعة مهمة إلى أحجية التطور البشري، لكنه يذكرنا أيضاً بكمّ الأسرار التي لا تزال مدفونة في قاع المحيطات، بانتظار شبكة صياد أو مطرقة عالم لتكشف عنها.