Home علومأخاديد القمر العظيمة: كيف حفرتها الصخور في 10 دقائق؟

أخاديد القمر العظيمة: كيف حفرتها الصخور في 10 دقائق؟

by ريم
أخاديد القمر العظيمة: كيف حفرتها الصخور في 10 دقائق؟
الولايات المتحدة

تخيل عاصفةً ليست من الماء أو الثلج، بل من الجلاميد الصخرية العملاقة التي تنهمر من السماء بقوة تدميرية تفوق الخيال. في غضون عشر دقائق فقط، وليس عبر ملايين السنين كما عهدنا في جيولوجيا الأرض، تغير وجه القمر إلى الأبد. هذا ليس مشهداً من فيلم خيال علمي، بل هو السيناريو الذي كشف عنه العلماء مؤخراً لتفسير نشأة اثنين من أضخم الأخاديد القمرية، في دراسة تقلب مفاهيمنا حول تاريخ تابعنا السماوي.

جروح غائرة في وجه القمر

لطالما وقف العلماء حائرين أمام لغز “وادي شرودنجر” (Vallis Schrödinger) و”وادي بلانك” (Vallis Planck)، وهما أخدودان ضخمان يمتدان كخطين مستقيمين من حوض شرودنجر بالقرب من القطب الجنوبي للقمر. يبلغ طول هذين الأخدودين 270 و280 كيلومتراً على التوالي، بينما يصل عمقهما إلى مستويات مذهلة.

وفقاً للدراسة الجديدة المنشورة في دورية Nature Communications، فإن تشكل هذه الأخاديد لم يكن بفعل أنهار من المياه أو تدفقات الحمم البركانية، بل نتيجة اصطدام كوني هائل وقع قبل حوالي 3.8 مليار سنة. هذا الاصطدام قذف “ستارة” من الصخور عالياً، وحين هوت تلك الصخور عائدة إلى السطح، حفرت الأرضية القمرية بقوة تعادل 130 ضعفاً للترسانة النووية العالمية مجتمعة.

قصف متلاحق ومقارنة مع الأرض

يصف ديفيد كرينغ، الجيولوجي الكوكبي في معهد القمر والكواكب في هيوستن، هذه العملية بأنها كانت سريعة وعنيفة للغاية. يقول كرينغ: «لقد هبطت الصخور في تتابع إيقاعي سريع ومتلاحق، ضربة تلو الأخرى (bang-bang-bang)، لتحفر الأخاديد في أقل من 10 دقائق».

رسم بياني يقارن بين عمق جراند كانيون على الأرض وأخاديد القمر
مقارنة توضح الفارق الهائل في العمق والشكل بين “جراند كانيون” الأرضي (في الأعلى) ووادي بلانك القمري (في الأسفل)، حيث تظهر تضاريس القمر أكثر حدة وعمقاً.

ولتقريب الصورة للأذهان، عقد الباحثون مقارنة بين هذه الأخاديد القمرية و”جراند كانيون” الشهير على كوكب الأرض. فبينما يمتد الأخدود الأرضي بشكل متعرج لمسافة 446 كيلومتراً بعمق أقصى يبلغ 1.9 كيلومتر (وقد استغرق ملايين السنين من النحت المائي)، نجد أن الأخاديد القمرية مستقيمة وعميقة بشكل مرعب، حيث يصل عمقها إلى 2.7 و3.5 كيلومتر. يعلق كرينغ على ذلك قائلاً: «إن تضاريس المنطقة القطبية الجنوبية للقمر درامية للغاية؛ لو كانت موجودة على الأرض لتم إعلانها حديقة وطنية أو عالمية فوراً».

فك شفرة القطب الجنوبي

لا تتوقف أهمية هذا الاكتشاف عند فهم الماضي السحيق فحسب، بل تمتد لتؤثر في مستقبل استكشاف الإنسان للفضاء. يحتوي القطب الجنوبي للقمر على بعض أقدم الصخور التي قد يعود تاريخها إلى نشأة القمر قبل 4 مليارات سنة. الحصول على عينات من هذه الصخور هو بمثابة “الكأس المقدسة” للعلماء، حيث يمكنها الإجابة عن أكبر الألغاز حول تاريخ نظام الأرض والقمر.

لكن كان هناك تخوف علمي كبير: بما أن حافة حوض شرودنجر تبعد حوالي 125 كيلومتراً فقط عن مواقع الهبوط المتوقعة لرواد فضاء وكالة “ناسا” ضمن مهمة “أرتميس”، فقد ساد اعتقاد بأن الاصطدام الذي شكل الحوض ربما يكون قد طمر تلك الصخور القديمة الثمينة تحت طبقات من الحطام الحديث.

بشرى لمهمة “أرتميس”

لحل هذه المعضلة، قام كرينغ وفريقه، بالتعاون مع الجيولوجيين دانييل كالينبورن وغاريث كولينز من كلية إمبريال كوليدج لندن، بتحليل دقيق لصور المركبات الفضائية لحوض شرودنجر وأخاديده. قادتهم الحسابات الفيزيائية إلى استنتاج مثير: الخطوط المستقيمة للأخاديد لا تلتقي في مركز الحوض، بل تتلاقى باتجاه الحافة الجنوبية.

هذا الانحراف يعني شيئاً واحداً في علم الفيزياء الفلكية: الجسم الصادم جاء بزاوية مائلة، مما أدى إلى تطاير الحطام والصخور باتجاه الشمال، بعيداً عن منطقة استكشاف “أرتميس” في الجنوب. يقول كرينغ موضحاً أهمية هذه النتيجة: «هذا يعني أن كمية قليلة جداً من مواد حوض شرودنجر قد طمرت التضاريس القديمة في منطقة الهبوط». وتفتح هذه النتيجة الباب واسعاً أمام رواد الفضاء لإلقاء نظرة غير مسبوقة على الحقبة الأولى من تاريخ الأرض والقمر، دون الحاجة للحفر العميق لإزالة ركام الاصطدامات اللاحقة.

You may also like

Leave a Comment