Table of Contents
بعد أكثر من خمسين عاماً من الغياب، تقف البشرية اليوم على أعتاب العودة إلى الجار السماوي الأقرب للأرض. وبينما تحبس الأنفاس انتظاراً لإطلاق مهمة “أرتميس 2” (Artemis II)، التي ستحمل أربعة رواد فضاء في رحلة حول القمر، يبرز جانب آخر لهذه المهمة يتجاوز مجرد استعراض العضلات التقنية. فخلف الكواليس الهندسية المعقدة، تم تصميم هذه الرحلة لتكون مختبراً علمياً عائماً، حيث لا يكتفي الرواد بقيادة المركبة، بل يتحولون هم أنفسهم إلى موضوعات للدراسة، وعيوناً بشرية ثاقبة ترصد ما تعجز عنه أدق العدسات الآلية.
أكثر من مجرد جولة تجريبية
على الرغم من أن “أرتميس 2” لن تهبط فعلياً على سطح القمر—وهي مهمة مؤجلة للرحلات اللاحقة—إلا أنها تمثل حجر الزاوية لمستقبل الوجود البشري في الفضاء السحيق. تشبه هذه المهمة في طبيعتها رحلة “أبولو 8” التاريخية عام 1968، التي دار فيها البشر حول القمر لأول مرة. وكما يوضح المؤرخون في متحف الطيران والفضاء الوطني الأمريكي، فإن الهدف الأساسي حينها كان سياسياً وتقنياً لسباق الزمن، لكن الوضع اليوم مختلف جذرياً.
تقول ماري هندرسون، عالمة الكواكب في مركز غودارد لرحلات الفضاء التابع لناسا: “لطالما سمعنا عبارة: نحن عائدون للقمر، والآن جيلنا من علماء القمر أصبح جزءاً من الحدث”. وتؤكد هندرسون أن العلم والاستكشاف في هذه المهمة يسيران جنباً إلى جنب، فلا يمكن تحقيق أحدهما دون الآخر. ستنطلق المركبة “أوريون” (Orion) لتدور حول الأرض أولاً للتأكد من سلامة الأنظمة، ثم تندفع في مسار معقد على شكل رقم 8 حول القمر، لتبتعد عن الأرض مسافة تصل إلى 400 ألف كيلومتر، وهو أبعد مدى وصل إليه البشر في التاريخ.
رواد الفضاء: باحثون وحقول تجارب في آن واحد
أحد أبرز الأهداف العلمية لبرنامج أرتميس هو التمهيد لإرسال البشر إلى المريخ، ولتحقيق ذلك، يجب فهم تأثير الفضاء السحيق على الجسم البشري بدقة غير مسبوقة. في هذه المهمة، سيتحول الرواد الأربعة—ريد وايزمان، وفيكتور غلوفر، وكريستينا كوك، والكندي جيريمي هانسن—إلى عينات بحثية حية.

سيرتدي الرواد أساور ذكية لمراقبة الحركة والنوم ومستويات الإجهاد بشكل مستمر، بالإضافة إلى أجهزة استشعار للإشعاع في جيوبهم لقياس الجسيمات عالية الطاقة التي قد يتعرضون لها خارج حماية المجال المغناطيسي للأرض. لكن الابتكار الأبرز يكمن في استخدام تقنية “عضو على رقاقة” (Organ-on-a-chip). سيحمل الرواد رقاقات صغيرة تشبه وحدات الذاكرة (USB)، تحتوي على خلايا مشتقة من دمائهم تحاكي نخاع العظم. يهدف هذا الاختبار الفريد إلى دراسة كيفية تغير الجينات المسؤولة عن المناعة في ظروف الفضاء، مما يمهد الطريق لتطوير علاجات تحمي المستكشفين في المستقبل.
عين الإنسان: أداة لا يمكن للروبوتات استبدالها
قد يتساءل البعض: في عصر الروبوتات المتطورة والمجسات الآلية، ما الحاجة للعين البشرية؟ تجيب هندرسون بأن العين البشرية قادرة على التقاط تفاصيل ودقائق تعجز عنها الكاميرات. “أرتميس 2” ستتيح للبشر رؤية الجانب البعيد من القمر (Farside) تحت إضاءة شمسية أفضل بكثير مما رآه رواد أبولو سابقاً.

تتميز العين البشرية بحساسية فريدة للألوان وإدراك للعمق ثلاثي الأبعاد يتفوق على الصور المسطحة. تاريخياً، كان لهذا الإدراك البشري دور حاسم؛ فقد اكتشف رواد “أبولو 17” تربة برتقالية اللون من المدار، تبين لاحقاً أنها صخور بركانية عمرها 3.6 مليار سنة، وهو اكتشاف ربما كانت الكاميرات ستغفله. سيبحث طاقم أرتميس عن تغييرات جيولوجية دقيقة، مثل الفوهات الحديثة الناتجة عن النيازك، وسيقدمون وصفاً حياً للتضاريس والألوان.
تدريبات مكثفة وغرفة عمليات علمية جديدة
على عكس رحلات أبولو المبكرة التي كان طاقمها يتألف غالباً من طيارين مقاتلين بمهام علمية ثانوية، فإن طاقم “أرتميس 2” يتمتع بخلفية علمية صلبة. جيريمي هانسن يحمل ماجستير في الفيزياء، وكريستينا كوك عملت في أبحاث ميدانية في القطبين المتجمدين. ولتعزيز هذه الخبرات، خضع الفريق لتدريبات جيولوجية مكثفة شملت رحلات ميدانية إلى آيسلندا وأريزونا لمحاكاة التضاريس القمرية.

ولأول مرة، تم إنشاء منصب جديد في مركز التحكم بالمهمة تحت مسمى “ضابط العلوم” (Science Officer)، تشغله كيلسي يونغ من ناسا. مهمتها هي التأكد من أن الأهداف العلمية تؤخذ بعين الاعتبار في كل قرار تشغيلي، مثل توجيه المركبة للحصول على زاوية رؤية أفضل. كما تم تجهيز “غرفة تقييم العلوم” في مركز جونسون للفضاء، حيث سيعمل فريق من الجيولوجيين بقيادة هندرسون لتحليل البيانات الواردة فورياً وتوجيه الرواد أثناء تحليقهم حول القمر.

نحو حقبة جديدة من الاستكشاف
إن دمج العلم في صلب مهمة “أرتميس 2” يعكس تحولاً في فلسفة استكشاف الفضاء. لم يعد الهدف مجرد الوصول ورفع العلم، بل الفهم العميق للبيئة القمرية وتأثيرها على الحياة البشرية. سيعتمد الفريق العلمي على الأرض خرائط تفاعلية وخطط رصد يتم تحديثها وإرسالها للأجهزة اللوحية الخاصة بالرواد فور انطلاق المهمة.

تقول هندرسون بحماس: “روادنا هم علماء بأنفسهم، ونحن نعتبرهم امتداداً لفريقنا البحثي”. هذا التكامل بين الإنسان والآلة، وبين الهندسة والجيولوجيا، يعد بفيض من البيانات العلمية التي ستشكل أساساً للخطوة الكبرى التالية: هبوط البشر مجدداً على السطح، وربما البقاء هناك لفترة طويلة.