
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
تقرير خاص – (الإيكونوميست) 10/10/2020
السويد مجتمع يتميز بدرجة عالية من الثقة، وحيث يتبع الناس القواعد. ومع ذلك، يعتمد نهج البلد على فكرة أنه، نظرًا لأن “كوفيد-19” سيكون موجوداً هنا لفترة طويلة، فإن طلب الكثير من الناس سيؤدي إلى تقليل الامتثال للتعليمات، وبالتالي انتشار المرض. وقد تحتاج المجتمعات منخفضة الثقة إلى إيجاد توازن مختلف بين الإكراه والانضباط الذاتي، لكنها ستحتاج أيضًا إلى قواعد مستدامة.
* * *
الشيء العظيم في استخدامك دولة صغيرة لدعم حجتك هو أنه من غير المرجح أن يعرف خصومك ما الذي يحدث هناك حقاً. وربما يكون هذا هو السبب في أن السويد، التي يبلغ عدد سكانها 10.3 مليون نسمة، أصبحت مثالًا يُستشهد به كثيرًا في النقاش حول كيفية التعامل مع “كوفيد-19”. ويُفترض أن السويديين المحبين للحرية يتبعون إستراتيجية متحررة من ارتداء أقنعة الوجه مع إغلاقات خفيفة، والتي ستخلق مناعة للقطيع من دون التسبب بإفلاس الاقتصاد. ويقال إن نجاح السويد هو بمثابة توبيخ مُقيم لليساريين المفسدين للبهجة الذين يحبون الترؤس على الناس وإغلاق كل شيء.
وفي الحقيقة تقدم السويد دروسًا -لكنها لا تتعلق بالحرية بقدر ما تتعلق باستخدام المقايضات لتوليد تماسك اجتماعي دائم. ويقدم البلد نموذجًا غريبًا لمحبي الحكومة الصغيرة. وفي المرة الأخيرة التي سعت فيها إلى الفردانية عن طريق المنافسة المرة بالأسنان والمخالب، كانت السياسة الاجتماعية في أيدي الرجال الذين يذهبون للعمل في القوارب الطويلة. وقد أصبحت السويد اليوم منارة للتقدمية؛ حيث تحتل المرتبة السابعة في ترتيب منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية للإنفاق الاجتماعي -متقدمة بذلك حتى على ألمانيا.
محبو السويد والمعجبون بها محقون في الإشارة إلى أنها كانت للحكومة في المرحلة الأولى من المرض لمسة خفيفة فقط. فعلى الرغم من أنها حظرت المجموعات الكبيرة وأصدرت الكثير من النصائح الصحية، إلا أنها رفضت استخدام الإغلاقات الشاملة. لكن هذا لم يكن نهجًا ناجحًا بشكل خاص. في الحقيقة يبلغ معدل الوفيات في السويد حوالي 60 لكل 100 ألف؛ أي عشرة أضعاف المعدل في كل من فنلندا والنرويج اللتين فرضتا إغلاقات على نفسيهما. ولم تحافظ حرية السويديين على الاقتصاد، على الرغم من أن العديد من الوفيات كانت بين كبار السن الذين توقفوا عن العمل. وقد انكمش الإنتاج في الربع الثاني وحده بنسبة 8.3 في المائة -وهو أيضاً معدل أسوأ من بلدان الشمال الأوروبي الأخرى. ومن المؤكد أن وجود عبء إصابات مرتفع يضر بالاقتصاد أيضاً.
أحد الردود هو أن السويد، على عكس بريطانيا وفرنسا وإسبانيا، لم تشهد موجة ثانية من التفشي. ومع ذلك، حتى لو وضع المرء جانبًا حقيقة أن الحالات في مقاطعة ستوكهولم تضاعفت أربع مرات تقريبًا في أيلول (سبتمبر) -(مع أنها ما تزال منخفضة من حيث القيم المطلقة)، فإن استراتيجية السويد الجديدة للمرحلة الثانية تتلاقى مع استراتيجية ألمانيا. وعلى العكس من بعض الادعاءات، ليس هذا النهج معتمداً على مناعة القطيع -ما يزال لدى السويد عدد كبير من الأشخاص المعرضين للإصابة. إنه يستلزم، بدلاً من ذلك، إجراء اختبارات سريعة على نطاق واسع وتتبع الاتصال من أجل تحديد بؤر التفشي وقمعها في وقت مبكر. ويأتي هذا مصحوباً برسالة واضحة ومتسقة وقابلة للاستدامة، لأنه يمنح الناس الاستقلالية في التصرف. وهذه هي اللبنات الأساسية للاستراتيجيات الناجحة لمكافحة “كوفيد-19” في كل مكان.
ليس الدرس المستفاد من السياسة السويدية الجديدة أنها تحررية، وإنما أن الحكومة تزن المقايضات لكل قيد تفكر في فرضه على الناس. وعلى سبيل المثال، عندما تكون نتيجة اختبار شخص ما إيجابية، يجب أن تدخل أسرته بأكملها في الحجر الصحي، لكن أطفال المدارس يُعفون من الحجر -لأن الحكومة تعتقد أن الأضرار الدائمة التي ستلحق بتعليمهم تطغى على المكاسب الناتجة عن إبعادهم عن المدارس. وبالمثل، فإن الحجر الصحي يستمر من خمسة إلى سبعة أيام، مقارنة بأسبوعين في أماكن أخرى. فمع أن خطر انتشار فيروس “كوفيد-19” في الأسبوع الثاني من الإصابة يكون ضئيلاً ومتقلصاً، فإن الضرر الذي يلحق بالصحة العقلية نتيجة العزلة الممتدة يأخذ في الازدياد.
إن السويد هي مجتمع يمتاز بدرجة عالية من الثقة، حيث يتبع الناس القواعد. ومع ذلك، يعتمد نهج البلد على فكرة أنه، نظرًا لأن “كوفيد-19” سيكون موجوداً هنا لفترة طويلة، فإن طلب الكثير من الناس سيؤدي إلى تقليل الامتثال للتعليمات، وبالتالي انتشار المرض. وقد تحتاج المجتمعات منخفضة الثقة إلى إيجاد توازن مختلف بين الإكراه والانضباط الذاتي، لكنها تحتاج أيضًا إلى قواعد مستدامة.
وماذا عن أقنعة الوجه؟ يستغل المعجبون بالسويد الحشود المتحررة من ارتداء هذه الأقنعة في ستوكهولم كدليل على حريتها. لكن هذا ليس أساس سياستها. هناك، يجادل الخبراء الحكوميون بأن الأدلة على أن أقنعة الوجوه تساعد على منع التفشي ضعيفة، وأن إجراءاتهم الأخرى تعمل بشكل جيد. وفي هذا، لا تسير السويد على خطى الدول الأخرى. وإذا عاد المرض هناك، فمن المحتمل أن يتغير ذلك. فبعد كل شيء، تقوم سياسة السويد على الأدلة والبراغماتية، وليس على المبدأ الأعمى.
*نشر هذا التقرير تحت عنوان: Land of the mask-free: The real lessons from Sweden’s approach to covid-19