
ماريا فرناندا إسبينوزا *– (الغارديان) 10/12/2020
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
في الساعات الأولى من يوم 12 كانون الأول (ديسمبر) 2015، وقفتُ مع زعماء العالم للترحيب باعتماد اتفاقية باريس الخاصة بمعالجة تغير المناخ. وهناك، تُوجت سنوات من المفاوضات والنكسات المحبطة بجولة من التصفيق لمدة دقيقتين لوزير الخارجية الفرنسي، لوران فابيوس، بينما يقرع المطرقة ويبشر بمستقبل أكثر اخضرارًا واستدامة بكل وضوح.
والآن، بعد خمس سنوات، أصبحت ذكرى باريس حلوة ومرة في آن معاً. كان التقدم فيما يسمى “المساهمات المحدَّدة وطنياً” – الأهداف المناخية التي يقوم كل بلد بتحديدها ذاتيًا- غير مكتمل في أحسن الأحوال، وما يزال العمل بشأن جميع الالتزامات المتعلقة بهذا الشأن منخفضًا بطريقة مثيرة للقلق.
ولكن، حدث الكثير من التطورات المشجعة منذ العام 2015 أيضاً. وفي تشرين الثاني (نوفمبر) 2021، ستستضيف بريطانيا مؤتمر الأمم المتحدة السادس والعشرين لتغير المناخ (COP26) في غلاسكو. وقد حدد رئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون، هدفًا هو خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري في المملكة المتحدة بنسبة 68 في المائة على الأقل بحلول العام 2030، وهو أسرع معدل لأي اقتصاد رئيسي حتى الآن. وأعلنت الصين في الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول (سبتمبر) أنها تخطط للوصول إلى تحييد الكربون بحلول العام 2060، وتعهدت اليابان وكوريا الجنوبية بالوصول إلى صفر من صافي الانبعاثات بحلول العام 2050. وسوف تعود الولايات المتحدة، برئاسة رئيسها الجديد جو بايدن، إلى اتفاقية باريس للمناخ.
ولكن، ربما تكون جائحة “كوفيد- 19” أكبر فرصة للعمل ضد أزمة المناخ. كان هذا الفصل من التاريخ مأساة حقيقية: فقد أصيب بالمرض ما يقرب من 70 مليون شخص على مستوى العالم، وفقد أكثر من 1.5 مليون شخص حياتهم حتى الآن بسببه. وكان الفيروس سببًا في أخطر أزمة اجتماعية-اقتصادية يشهدها العالم منذ الحرب العالمية الثانية، حيث تدفقت تريليونات الدولارات على الإغاثة الاقتصادية. وفي الوقت الحالي، يجب أن تكون الأولوية لتوفير الرعاية الصحية والإغاثة الاقتصادية للمتضررين.
لكنَّ من الضروري أن تؤدي الموارد الموجهة نحو التعافي من “كوفيد” إلى تسريع العمل ضد أزمة المناخ، وهي التهديد الذي لا يقل إلحاحًا عن هذا الوباء. وقد اتبع بعض السياسيين هذا المنطق مسبقاً: كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من بين أول من خرجوا من البوابة عندما رفضت حكومته منح أموال تحفيزية لشركات الطيران التي لن تتخذ خطوات لخفض الانبعاثات بشكل كبير.
وليست مثل هذه الإجراءات ضرورية فقط – إنها تحظى بشعبية أيضاً. وإذا كانت الحكومات تنفق موارد لا تصدق على الحد من البطالة وبدء الانتعاش الاقتصادي، فمن العدل أن تذهب تلك الموارد نحو بناء مجتمعات أكثر خضرة واستدامة وأكثر مرونة، بدلاً من مضاعفة النماذج الهشة الموروثة من الماضي. ويجب علينا توسيع نطاق الطاقة المتجددة الجماعية، وتركيب محطات لشحن السيارات الكهربائية، وإعادة التشجير، وإجراء التحديثات على المنازل، على سبيل المثال لا الحصر.
يمثل هذا التعافي فرصة للقيام باستثمارات تحويلية ذات رؤية مستقبلية، والتي كانت تعتبر في السابق محفوفة بالمخاطر أو باهظة الثمن– والدفع نحو ذلك بينما الباب مفتوح. فالفرصة لن تدوم إلى الأبد. وبالنسبة لمنظمي مؤتمر المناخ للعام المقبل، يجب أن يكون التركيز منصباً على اقتصاد ما- بعد “كوفيد”، ومنه ثلاثة مجالات على وجه الخصوص: كيفية مواءمة التعافي الاقتصادي مع العمل المناخي؛ كيف يمكن للدول الغنية أن تقدم إعفاءات من الديون ودعمًا مرتبطًا بتخفيف آثار تغير المناخ؛ وكيف يمكننا تصميم آليات مضمونة لتتبع ورصد تقدم البلدان فيما يتعلق بتحقيق الأهداف المناخية.
يجب أن تأتي الحكومات إلى غلاسكو بأمثلة واضحة وملموسة عن الكيفية التي تدعم بها جهودها للتعافي من فيروس “كوفيد- 19” مبادرات المناخ. ويجب أن يأتي دعم الصناعات وحزم الإنقاذ، لا سيما في المجالات عالية الانبعاثات مثل السفر الجوي والشحن، بشروط صارمة لضمان امتثال هذه الصناعات للالتزامات الوطنية الخاصة بالمناخ.
ومن المعقول أيضًا أن تقدم الدول الغنية مساعدات للبلدان منخفضة ومتوسطة الدخل لمساعدتها على التعافي. وينبغي أن تتضمن المساعدة الإنمائية الثنائية ومتعددة الأطراف وجهود التعافي، المخصصة لتحفيز النمو الاقتصادي، مؤشرات خضراء. ويمكن أن تشمل هذه المؤشرات مشاريع الأشغال العامة المصممّة للتكيف مع المناخ، أو نشر شبكات الطاقة المتجددة صغيرة الحجم.
وعلى نطاق أوسع، يجب توسيع مبادرات تخفيف الديون- مثل مبادرة مجموعة العشرين- لإفساح المجال أمام البلدان النامية لتحقيق أهدافها البيئية. ويمكن لمجموعة العشرين، التي تعمل بالشراكة مع المؤسسات المالية الدولية والمنظمات الإقليمية والصندوق الأخضر للمناخ، أن تعرض تخفيفًا للديون على وجه التحديد للبلدان التي تلتزم بأهداف مناخية وإجراءات محلية أقوى، والنظر في آليات مبتكرة، مثل شطب الديون، بحيث يمكن استخدام الأموال التي يتم توفيرها لتمويل العمل المناخي.
غالبًا ما يتم انتقاد الالتزامات المناخية العالمية لأنها لا تتبعها إجراءات على أرض الواقع. ويمكن أن يساعد مؤتمر الأمم المتحدة السادس والعشرون لتغير المناخ في معالجة هذا الخلل من خلال اقتراح آلية مخصصة لقياس جهود التعافي من “كوفيد- 19” مقابل الأهداف المناخية بطريقة هادفة وشفافة، مع إنشاء لوحة معلومات على الإنترنت يمكن أن يصل إليها الجمهور، والتي تتيح لصانعي القرار ووسائل الإعلام والجمهور معرفة التقدم الذي يتم إحرازه.
قبل قمة العمل المناخي التي عُقدت في العام 2019 في نيويورك، ناشد الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، قادة العالم أن يأتوا “ليس بخطب جميلة، وإنما بإجراءات ملموسة”. وإذا وجه السياسيون أذهانهم إلى تحقيق ذلك، فسيكون العام 2021 فرصة لبناء تعافٍ يترك الكوكب في مكان أفضل وأكثر استدامة لأطفالنا وأحفادنا، مع التذكير بروح الأمل والإنجاز التي شعرنا بها في تلك الليلة الباردة في باريس في العام 2015.
*الرئيسة السابقة للجمعية العامة للأمم المتحدة.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: The climate crisis should be at the heart of the global Covid recovery