Table of Contents
لطالما تخيلنا الديناصورات الضخمة كآلات أكل عملاقة تلتهم الأخضر واليابس بلا تمييز، تجتاح الغابات وتتركها جرداء في طريقها. لكن يبدو أن هذه الصورة النمطية الشائعة في السينما والكتب القديمة بعيدة عن الدقة العلمية؛ فقبل 150 مليون عام، لم تكن مائدة العشاء في العصر الجوراسي “بوفيه مفتوح” للجميع، بل كان لبعض هذه الوحوش ذائقة غذائية خاصة جداً ومحددة بدقة، لدرجة يمكن وصفها بأنها كانت كائنات “صعبة الإرضاء”.
أسرار مدفونة في طبقة المينا
في كشف علمي جديد يعيد رسم تفاصيل الحياة اليومية للعمالقة المنقرضة، توصل باحثون إلى أدلة كيميائية دقيقة مخبأة داخل أسنان الديناصورات المتحجرة. الدراسة التي نُشرت في دورية Palaeogeography, Palaeoclimatology, Palaeoecology، اعتمدت على تحليل نظائر الكالسيوم في مينا الأسنان لحيوانات جابت غرب الولايات المتحدة خلال العصر الجوراسي المتأخر.

أظهرت النتائج أن النظام الغذائي لهذه الكائنات لم يكن يعتمد فقط على حجمها الضخم أو طول أعناقها كما كان يُعتقد سابقاً، بل ارتبط بشكل أكبر بالقيمة الغذائية وملمس الطعام المفضل لديها. ويشير الباحثون إلى أن هذا التخصص الدقيق في اختيار الطعام هو ما سمح لأنواع مختلفة ومتعددة من الديناصورات بالتعايش في نفس البيئة الجغرافية دون أن تموت جوعاً بسبب المنافسة الشرسة.
مفاجأة الكالسيوم: الطول لا يحدد الوجبة
قاد عالم الأحافير «ليام نوريس» وفريقه من متحف تكساس للعلوم والتاريخ الطبيعي هذا البحث المبتكر، حيث قارنوا مستويات نظائر الكالسيوم في مينا أسنان الديناصورات بتلك الموجودة لدى الحيوانات العاشبة الحديثة. كانت المفاجأة الكبرى تتعلق بديناصور Camarasaurus (كاماراصور)، وهو ديناصور ضخم طويل العنق كان العلماء يعتقدون لسنوات طويلة أنه يتغذى بشكل أساسي على أوراق قمم الأشجار العالية.
أثبتت التحاليل الكيميائية عكس ذلك تماماً؛ فقد تبين أن هذا العملاق كان يفضل تناول النباتات الخشبية والأغصان القاسية أكثر مما كان متوقعاً. في المقابل، كشفت الدراسة أن ديناصور Camptosaurus (كامبتوصور)، وهو أصغر حجماً ويمتلك منقاراً، كان يفضل الأجزاء النباتية الأكثر طراوة ونعومة مثل الأوراق والبراعم.
يعلق نوريس على هذه النتائج قائلاً إن العامل الحاسم لم يكن ارتفاع النبات، بل “نوعية الجزء النباتي” الذي يختاره الحيوان، سواء كان أوراقاً طرية أو لحاءً خشناً.
حتى آكلات اللحوم لها “إتيكيت” خاص
لم يقتصر البحث على آكلات الأعشاب فحسب، بل امتد ليشمل المفترسات أيضاً. فقد قام الفريق بقياس نظائر الكالسيوم في أسنان اثنين من آكلات اللحوم ومقارنتها بالحيوانات المفترسة المعاصرة. وأظهرت النتائج تبايناً مذهلاً في السلوك الغذائي:
- ديناصور Eutretauranosuchus الشبيه بالتمساح كان يعتمد في غذائه بشكل أساسي على الأسماك.
- الديناصور المفترس الشهير Allosaurus (ألوصور) كان يتغذى على لحوم الديناصورات الأخرى، لكنه – بخلاف التيرانوصور ريكس (T-rex) الذي جاء بعده بملايين السنين – لم يكن يطحن عظام فرائسه أو يأكلها بكثرة.
كيمياء الأحافير تعيد قراءة التاريخ
جمع الباحثون عيناتهم من محجر كارنيجي الشهير في نصب الديناصورات الوطني بولاية يوتا، وهو موقع يقع ضمن “تكوين موريسون” الجيولوجي الغني بالأحافير. وتُعد هذه الدراسة الأولى من نوعها التي تفحص أسنان ديناصورات مستخرجة حصرياً من هذا الموقع الذي يُعتقد أنه كان يوماً ما مجرى نهر أو بحيرة، حيث تجمعت عظام الديناصورات وتراكمت.
ويرى «بول باريت»، خبير الديناصورات في متحف التاريخ الطبيعي في لندن، أن هذه الطريقة الكيميائية تقدم حلاً عبقرياً للحالات التي يكون فيها النظام الغذائي للديناصور غامضاً ولا يمكن تحديده من خلال شكل الأسنان أو الهيكل العظمي فقط. ويضيف أن الدراسة تقدم “تأكيداً جميلاً” على أن البصمات الكيميائية الدقيقة يمكن أن تظل محفوظة داخل الأسنان لمئات الملايين من السنين، لتروي لنا قصصاً دقيقة عما كان يدور في عصور ما قبل التاريخ.