Table of Contents
في الليالي الحالكة بمدينة سامرفيل في ولاية ساوث كارولينا الأمريكية، تتوارث الأجيال حكاياتٍ تقشعر لها الأبدان عن كرات مضيئة غامضة تطفو بصمتٍ فوق مسارات السكك الحديدية القديمة. تقول الأسطورة المحلية إن هذا الوهج الشاحب، المعروف باسم «ضوء سامرفيل»، ليس إلا فانوساً تحمله روح امرأة بائسة تبحث كل ليلة عن رأس زوجها الذي قضى نحبه في حادث قطار مأساوي. لكن بعيداً عن عالم الأرواح والماورائيات، يبدو أن جيولوجيا الأرض تخفي في جعبتها تفسيراً أكثر واقعية وإثارةً للدهشة لهذا اللغز.
عندما تتحدث الأرض بدلاً من الأشباح
قد تكون القصص الخيالية ممتعة حول النيران، لكن الباحثة سوزان هوف، عالمة الجيولوجيا في هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية (USGS)، ترى أن ما يُشاهده السكان هو ظاهرة طبيعية نادرة تُعرف باسم «أضواء الزلازل». وفي ورقة بحثية نُشرت في الدورية العلمية Seismological Research Letters، تقترح هوف أن هذه الأضواء الشبحية قد تكون ناتجة عن انبعاثات غازية وتفريغ كهربائي مرتبط بنشاط زلزالي خفي.
قد تبدو سامرفيل مكاناً غير متوقع للزلازل لبعدها عن حدود الصفائح التكتونية، لكن التاريخ يخبرنا بغير ذلك. ففي عام 1886، ضرب زلزال مدمر بقوة 7 درجات مدينة تشارلستون القريبة، مخلفاً دماراً واسعاً و60 ضحية. هذا التاريخ الزلزالي العنيف، وما تبعه من مئات الهزات الارتدادية، يؤكد أن المنطقة تقبع فوق نشاط جيولوجي لا يهدأ، وإن كان غير محسوس في كثير من الأحيان.
آلية الوهج الغامض: غازات وكهرباء
لكن كيف يتحول الصخر والغاز إلى ضوء يراه الناس؟ التفسير العلمي يكمن في باطن الأرض. تقترح هوف أن غاز الميثان أو غازات أخرى قد تتصاعد من الشقوق والفوالق الأرضية أثناء النشاط الزلزالي. وعندما تحتك الصخور ببعضها البعض، أو نتيجة للكهرباء الساكنة المتولدة، قد تشتعل هذه الغازات لتخلق توهجاً خافتاً يظهر على شكل كرات مضيئة، مما يفسر تقارير الشهود عن الأضواء الطافية.

تحقيق في أرشيف الرعب
لإثبات هذه الفرضية، لم تكتفِ هوف بالنظريات، بل غاصت في السجلات التاريخية للمنطقة في الفترة ما بين 1890 و1960، وهي الحقبة التي سبقت وتزامنت مع ذروة مشاهدات «ضوء سامرفيل». ورغم ندرة السجلات الزلزالية الدقيقة في تلك الفترة، إلا أنها وجدت توافقاً زمنياً مثيراً للاهتمام.
اكتشفت هوف وقوع زلزال بقوة 3.9 درجة في عام 1907، وآخر بقوة 4.4 درجة في عام 1959 – وهو العام الذي بدأت فيه المشاهدات تتواتر بكثرة. وتلى ذلك هزات أصغر في عام 1960. وترجح هوف أن هذه الزلازل المسجلة رافقتها حتماً هزات أصغر لم ترصدها الأجهزة في ذلك الوقت، لكنها كانت كافية لتوليد ظاهرة أضواء الزلازل دون أن يشعر السكان بالاهتزاز الأرضي نفسه، مما جعلهم ينسبون الضوء للأشباح.
بيوت مسكونة أم أرض مهتزة؟
لا يتوقف الأمر عند الأضواء؛ فالمنطقة تعج أيضاً بقصص عن ظواهر أخرى تُنسب للجن والأشباح، مثل اهتزاز السيارات بعنف، وتحرك الأبواب من تلقاء نفسها، وسماع وقع خطوات في الطوابق العليا. تشير هوف إلى أن هذه الظواهر تتطابق بدقة مدهشة مع ما يُعرف بالدرجة الثانية (II) على «مقياس ميركالي المعدل» لشدة الزلازل.
وفقاً لهذا المقياس، فإن الاهتزازات من الدرجة الثانية تكون ضعيفة ولا يشعر بها إلا القلة، خاصة الموجودين في الطوابق العليا أو في وضع السكون، وقد تتسبب في تحرك الأشياء المعلقة برفق. إذن، ما اعتبره السكان خطوات لشبح غاضب، قد يكون مجرد صدى لهزة أرضية خفيفة لم ينتبهوا لمصدرها.
ما وراء الأسطورة
رغم وجاهة هذا التفسير، يرى يوجي إينوموتو، عالم الزلازل في جامعة شينشو اليابانية، أن الحسم النهائي يتطلب مزيداً من البيانات الجيولوجية، وتحديداً البحث عن أدلة وجود بيئة لاهوائية تنتج الميثان، أو صخور جرانيتية تحتوي على الراديوم الذي ينتج غاز الرادون المشع.
في نهاية المطاف، تفتح هذه الدراسة باباً واسعاً لإعادة قراءة الفلكلور الشعبي بعيون علمية. فربما تلك الأشباح التي تجوب مسارات القطارات في أنحاء مختلفة من العالم حاملة فوانيسها، ليست سوى إشارات تحذيرية صامتة يرسلها كوكبنا عبر صدوعه النشطة، لتضيء لنا ما خفي تحت أقدامنا.