Table of Contents
دعنا نتخيل للحظة القدرة على السير فوق سطح الماء دون أن نغرق. بينما يبقى هذا الأمر في إطار المعجزات أو الخيال العلمي بالنسبة للبشر، فإنه مجرد نزهة روتينية لحشرة صغيرة لا يتجاوز حجمها حبة الأرز. لكن السر لا يكمن في خفة وزنها فحسب، بل في تصميم هندسي مذهل لأقدامها ألهم العلماء مؤخراً لتطوير جيل جديد من الروبوتات العائمة.
مراوح خفية تحت سطح الماء
تتمتع حشرة “بق الماء المتموج” (Ripple bug)، المعروفة علمياً باسم Rhagovelia obesa، بميزة تشريحية فريدة تمكنها من الانطلاق والمناورة ببراعة فوق الأنهار المضطربة التي تعيش فيها. تمتلك هذه الحشرات في أقدامها هياكل تشبه المراوح الريشية، تعمل كمجاديف طبيعية عالية الكفاءة.

هذه المراوح لا تكون مفتوحة طوال الوقت؛ فهي تنفتح تلقائياً بمجرد ملامسة قدم الحشرة لسطح الماء، وتنغلق فور رفعها عنه. وتتحرك هذه الكائنات بسرعة جنونية تجعلها تبدو وكأنها تطير بدلاً من أن تسير فوق الماء. يعلق فيكتور أورتيغا خيمينيز، عالم الميكانيكا الحيوية في جامعة كاليفورنيا ببيركلي، واصفاً سرعتها المذهلة: “إذا طرفت عينك، فقد يفوتك المشهد بأكمله”.
فيزياء الحركة: لا عضلات مطلوبة
بفضل هذه الأقدام المتطورة، يمكن لهذه الحشرات القيام بانعطافات حادة خلال 50 ميلي ثانية فقط، وقطع مسافة تعادل 120 مرة طول جسدها في الثانية الواحدة. لكن الاكتشاف الأكثر إثارة الذي نشره الباحثون في دورية Science، هو أن حركة فتح وإغلاق هذه المراوح لا تتطلب أي مجهود عضلي من الحشرة.

تتكون هذه المراوح من شويكات دقيقة تشبه الشرائط، مزينة بشعيرات أصغر حجماً. وقد وجد العلماء أن آلية عملها تعتمد كلياً على القوى الشعرية (Capillary forces) ومرونة المواد. الأمر يشبه إلى حد كبير فرشاة الرسم: عندما تغمسها في الماء تنتشر شعيراتها، وعندما تخرجها تتجمع لتشكل نقطة دقيقة بفعل توتر السطح.
ولإثبات هذه النظرية، قام أورتيغا خيمينيز بتجربة مبتكرة ودقيقة للغاية؛ حيث قام بتعليق قدم مفصولة عن الحشرة باستخدام شعرة من رأس زوجته، وأنزلها ببطء شديد نحو قطرة ماء. النتيجة كانت مذهلة: انفتحت المروحة تلقائياً في غضون 10 ميلي ثانية فقط دون أي تدخل عضلي أو عصبي.
من الطبيعة إلى الروبوتات
استلهاماً من هذه الهندسة الطبيعية البديعة، صمم الباحثون روبوتاً عائماً يحاكي آلية عمل أقدام بق الماء. زود الفريق الروبوت بمراوح صناعية تنفتح وتنغلق ذاتياً عند ملامسة الماء، تماماً كما تفعل الحشرة الأصلية.

أظهرت التجارب أن الروبوت المزود بهذه المراوح تفوق بشكل ملحوظ على نظيره الذي يفتقر إليها. فقد تمكن من الانعطاف بزوايا أكثر حدة والانزلاق لمسافات أطول بدفعة واحدة، مما يثبت كفاءة التصميم البيولوجي الذي طورته الطبيعة عبر ملايين السنين.
آفاق المستقبل: مهمات إنقاذ مائية
لا يتوقف هذا الابتكار عند حدود المعامل البحثية. يرى أورتيغا خيمينيز مستقبلاً واعداً لهذه الروبوتات الصغيرة، حيث يمكن توظيفها في مهام بيئية وإنسانية حيوية. نظراً لقدرتها على التحرك في المياه المضطربة، يمكن استخدام أسراب من هذه الروبوتات لمراقبة جودة المياه في الجداول والأنهار، أو حتى نشرها في مناطق الفيضانات للبحث عن ناجين في أماكن يصعب على البشر أو القوارب التقليدية الوصول إليها.