Table of Contents
تخيل أن لديك كتاباً ضخماً يحتوي على ثلاثة مليارات حرف، وأن تغيير حرف واحد فقط في الصفحة الأولى قد يغير معنى جملة كاملة في الصفحة رقم ألف، أو ربما يحول القصة بأكملها من رواية سعيدة إلى مأساة. هذا هو بالضبط التحدي الذي يواجهه العلماء عند قراءة الجينوم البشري، الذي يُشبه «كتاب الحياة» المعقد والمتشابك. وفي محاولة جديدة لفك طلاسم هذا الكتاب، كشف باحثو «جوجل ديب مايند» (Google DeepMind) عن أداتهم الجديدة للذكاء الاصطناعي «ألفا جينوم» (AlphaGenome)، التي تعد بقفزة نوعية في قدرتنا على فهم كيف يمكن لـ«خطأ مطبعي» جيني بسيط أن يغير مصيرنا البيولوجي.
عينٌ ذكية تقرأ مليون حرف دفعة واحدة
لطالما كانت النماذج الحاسوبية السابقة تعاني من قصر النظر عند قراءة الشريط الوراثي الطويل. كان النموذج الأبرز سابقاً، المسمى «بورزوي» (Borzoi)، قادراً على تحليل سياق يصل إلى 500 ألف قاعدة من الحمض النووي. لكن بحسب الدراسة المنشورة في دورية Nature في 28 يناير، جاء «ألفا جينوم» ليضاعف هذه القدرة، حيث يمكنه تحليل مليون لبنة بناء من الحمض النووي في وقت واحد.
ويرى أنشول كونداجي، عالم الأحياء الحاسوبية في جامعة ستانفورد، أن هذا التطور ليس مجرد زيادة في الأرقام، بل هو نقلة نوعية في المنفعة العامة. فالقدرة على رؤية سياق أوسع تعني فهم العلاقات بعيدة المدى داخل الجينوم؛ إذ إن تغييراً جينياً بسيطاً قد لا يؤثر على الجينات المجاورة له مباشرة، بل قد يغير نشاط جينات تقع بعيداً جداً عنه في الشريط الوراثي، وهو ما كان يصعب رصده سابقاً.
ما وراء سطور «كتاب الحياة»
لفهم أهمية هذا الإنجاز، يجب أن نتذكر أن الجينوم البشري ليس مجرد سلسلة خطية من الحروف، بل هو أشبه بموسوعة ثلاثية الأبعاد، أو كتاب «منبثق» (Pop-up book) حيث تتداخل الصفحات والفصول بطرق معقدة تشبه فن طي الورق (الأوريغامي). الجينات، التي تمثل القصص القصيرة في هذا الكتاب، تفصل بينها مساحات شاسعة كانت تُعامل سابقاً على أنها «خردة» أو لغو لا معنى له، لكن العلم الحديث أثبت أنها تحتوي على تعليمات حيوية وقواعد نحوية بيولوجية دقيقة.
مهمة «ألفا جينوم» هي قراءة هذه السلسلة الطويلة والتنبؤ بكيفية تأثير علامات الترقيم البيولوجية والاختلافات الدقيقة على 11 عملية بيولوجية مختلفة، بما في ذلك تضفير الحمض النووي الريبوزي (RNA splicing) ومستويات نشاط الجينات. وقد اعتمد النموذج في تدريبه على 5,930 نقطة بيانات من دراسات الحمض النووي البشري وأكثر من ألف نقطة من الحمض النووي للفئران، مما مكنه من التفوق على النماذج المتخصصة السابقة، محققاً دقة أعلى بنسبة 14.7% في تحديد تغيرات نشاط الجينات في أنواع معينة من الخلايا مقارنة بنموذج «بورزوي 2».
استراتيجية «مجلس الحكماء»: كيف يعمل النموذج؟
لم يأتِ تفوق «ألفا جينوم» من العدم، بل اعتمد على حيلة هندسية ذكية تُعرف بـ«التقطير المجموعي» (Ensemble Distillation). ويشرح بيتر كو، عالم الأحياء الحاسوبية في مختبر كولد سبرينج هاربور، هذه التقنية بمثال بسيط وبليغ: الأمر يشبه استشارة 60 أستاذاً في التاريخ حول حدث مهم بدلاً من الاعتماد على مؤرخ واحد.
في هذه الاستراتيجية، تقوم نسخ متعددة من النموذج (المعلمين) بالتدرب على بيانات الحمض النووي، ثم تقوم بتنقيح وتمرير معرفتها إلى نموذج واحد (الطالب) يقوم بحساب متوسط مخرجاتها. ويؤكد كو أن «الإجماع» الذي تصل إليه هذه النماذج مجتمعة يكون عادة أكثر موثوقية ودقة من الاعتماد على رأي نموذج فردي، مما يقلل من نسبة الخطأ ويزيد من الثقة في النتائج.
حدود الذكاء ومستقبل الطب الجيني
رغم هذا التقدم المذهل، يؤكد العلماء أن «ألفا جينوم» ليس عصا سحرية، ولا يزال أداة للبحث العلمي الأساسي وليس وسيلة للتشخيص السريري في عيادات الأطباء. وتشير بيانات غير منشورة من مختبر كونداجي إلى أن النموذج لا يزال يواجه صعوبات في التنبؤ بكيفية تغير نشاط الجينات بدقة بين الأفراد المختلفين.
ويرى كونداجي أن هذا النوع من النماذج قد وصل تقريباً إلى «سقفه التقني» (Maxed out)، مشيراً إلى أن القفزة الكبرى القادمة لن تكون بتكبير النموذج فحسب، بل ستعتمد على قدرة العلماء على توليد أنواع جديدة تماماً من البيانات البيولوجية لتغذية هذه النماذج. ومع ذلك، فإن توحيد مهام تحليل الجينوم المتشعبة في أداة واحدة قوية مثل «ألفا جينوم» يُعد خطوة هائلة تُبسط عمل الباحثين، وتفتح أبواباً جديدة لفهم أعمق لأسرار شفرتنا الوراثية.