Table of Contents
لم تكن الفيروسات وحدها هي التي فتكت بالأرواح خلف الأبواب الموصدة عام 2020؛ فبينما كان العالم يحبس أنفاسه خوفاً من عدوى تنفسية، كان هناك قاتل صامت آخر يرتفع مؤشره بحدة مقلقة داخل المنازل. إنه الكحول، الذي تحول من رفيق للعزلة لدى البعض إلى سبب مباشر للموت بنسب لم تشهدها الولايات المتحدة منذ عقود، ليرسم بذلك وجهاً آخر للمآسي الصحية التي رافقت السنة الأولى من الجائحة.
قفزة إحصائية غير مسبوقة
تتحدث الأرقام بلغة لا تقبل التأويل؛ فقد كشفت البيانات الصادرة حديثاً عن المركز الوطني للإحصاءات الصحية (NCHS) عن ارتفاع حاد في معدل الوفيات الناجمة عن الكحول في الولايات المتحدة. قفز المعدل بنسبة 26% دفعة واحدة بين عامي 2019 و2020، مرتفعاً من 10.4 إلى 13.1 حالة وفاة لكل 100 ألف نسمة.
وعلى الرغم من أن المنحنى البياني لهذه الوفيات كان يسجل صعوداً تدريجياً طوال العقدين الماضيين، إلا أن الزيادة السنوية لم تكن تتجاوز عادةً حاجز الـ 7%. لكن ما حدث في عام الجائحة كان مختلفاً تماماً، حيث وصف الباحثون هذا الارتفاع بأنه “درجة صعود حادة”، طالت الفئات العمرية بين 55 و64 عاماً بشكل أكبر، سواء لدى الرجال أو النساء.
الكبد يدفع الثمن الأبهظ
عند البحث في المسببات البيولوجية المباشرة لهذه الوفيات، تصدرت أمراض الكبد الكحولية (Alcoholic liver disease) المشهد، وهي تشمل حالات التهاب الكبد وتشمع الكبد (Cirrhosis). وجاءت الاضطرابات العقلية والسلوكية المرتبطة بتعاطي الكحول — مثل متلازمة الاعتماد أو أعراض الانسحاب القاتلة — في المرتبة الثانية كأكثر المسببات شيوعاً.

ولم يأتِ هذا الارتفاع من فراغ؛ فقد رصد باحثون آخرون تغيراً في السلوكيات الاجتماعية، حيث لجأ الكثير من البالغين إلى شرب الكحول بشكل متكرر وبكميات أكبر في وقت مبكر من الجائحة مقارنة بالسنوات السابقة. وتؤكد البيانات السريرية هذا الترابط؛ إذ أظهرت دراسة أجريت في مستشفى جونز هوبكنز (Johns Hopkins Hospital) تضاعف عدد المرضى الذين يعانون من أمراض الكبد الكحولية الشديدة والمرتبطين بشرب غير صحي حديث، حيث زادت التحويلات إلى مركز زراعة الكبد بمقدار 2.3 مرة خلال النصف الثاني من عام 2020 مقارنة بالفترة نفسها من عام 2019.
حدود المرونة البيولوجية
يعلق الدكتور فيكتور تشن (Victor Chen)، أخصائي أمراض وزراعة الكبد في كلية الطب بجامعة جونز هوبكنز، بأن القفزة في معدلات الوفيات لم تكن مفاجئة للمتخصصين، نظراً لأن البيانات السابقة كانت تشير بوضوح إلى هذا الاتجاه.
ويوضح تشن آلية الخطر قائلاً: “يمتلك الكبد قدرة مذهلة على تجديد نفسه، ولكن لهذه القدرة حدود”. فعندما يتضرر الكبد بشكل دائم وتتكون الأنسجة الندبية، تصبح التوصية الطبية الوحيدة هي التوقف التام عن شرب الكحول لمنع المزيد من التدهور. إن الجمع بين وجود مرض كبدي كامن وزيادة استهلاك الكحول يشكل وصفة كارثية تؤدي إلى ظهور أعراض فشل الكبد، وفي النهاية الوفاة، ما لم يتم تدارك الأمر بعملية زراعة كبد في الوقت المناسب.
ناقوس خطر للصحة العامة
تضع هذه البيانات المؤسسات الصحية أمام تحديات جديدة تتجاوز مكافحة الأوبئة الفيروسية. فالارتفاع الحاد في الوفيات الناجمة عن الكحول يشير إلى أزمة صحة عامة متفاقمة تتطلب استراتيجيات وقائية عاجلة، خاصة وأن الآثار الصحية لتلف الأعضاء قد تستمر في الظهور لسنوات قادمة، حتى بعد انحسار الجائحة التي ربما كانت الشرارة التي أججت هذا السلوك.