
أوبن فولد 3.. ذكاء اصطناعي يكسر احتكار “أسرار الحياة”
بعد فوز مطوري ألفا فولد بجائزة نوبل، يأتي نموذج "أوبن فولد 3" ليفتح الصندوق الأسود للتنبؤات البروتينية أمام الجميع. خطوة ثورية تتيح للعلماء وشركات الأدوية فهم تفاعلات الحياة بدقة غير مسبوقة.
Share your love
الحياة البيولوجية في جوهرها ليست مجرد تماثيل شمعية ثابتة؛ إنها رقصة معقدة ومستمرة. البروتينات، تلك الجزيئات العاملة بجد داخل خلايانا، لا تعمل في عزلة، بل تتفاعل باستمرار مع جزيئات أخرى لتسيير عجلة الحياة. وفي حين احتفل العالم مؤخراً بفك شيفرة أشكال هذه البروتينات عبر نموذج “ألفا فولد” (AlphaFold) الذي استحق جائزة نوبل في الكيمياء لعام 2024، ظلت آلية عمل هذا النموذج حكراً على مطوريه. اليوم، يتغير المشهد كلياً مع دخول لاعب جديد يفتح الصندوق الأسود للعلم أمام الجميع.
كسر احتكار “شيفرة” الحياة
في خطوة جريئة تهدف إلى دمقرطة البحث العلمي، أطلق تحالف بحثي واسع بقيادة البروفيسور محمد القريشي من جامعة كولومبيا، نموذجاً جديداً للذكاء الاصطناعي يحمل اسم “أوبن فولد 3” (OpenFold3). هذا النموذج، الذي تم الكشف عنه في 28 أكتوبر، لا يعد مجرد أداة جديدة، بل هو إعادة بناء هندسية دقيقة لنموذج “ألفا فولد 3” التابع لشركة “جوجل ديب مايند”.

يكمن الفرق الجوهري في “الإتاحة”؛ فبينما تحصر جوجل استخدام نموذجها المتطور في الأغراض غير التجارية وتخفي الكود البرمجي الخاص به، يأتي “أوبن فولد 3” كبرمجية مفتوحة المصدر بالكامل. هذا يعني أن شركات الأدوية والباحثين المستقلين بات بإمكانهم الآن استخدام قوة الذكاء الاصطناعي ليس فقط للتنبؤ بشكل البروتين، بل لكيفية التحامه مع الحمض النووي (DNA) والجزيئات الدوائية، وهو حجر الزاوية في صناعة الأدوية الحديثة.
ما وراء “الصندوق الأسود”
لم يكن الطريق ممهداً أمام المجتمع العلمي للوصول إلى هذه النقطة. فعندما أطلقت “ديب مايند” نسختها الثالثة، لم تفتح الكود المصدري، مما دفع مئات العلماء للتوقيع على عريضة تطالب بالشفافية. توضح ستيفاني وانكوفيتش، عالمة الأحياء الهيكلية الحاسوبية في جامعة فاندربيلت، هذه المعضلة قائلة: “من الصعب تقييم منتج حاسوبي دون رؤية المعلومات الخام”.
وتشير وانكوفيتش إلى أن إعادة بناء النماذج السابقة (مثل OpenFold2) كشفت حقائق مثيرة؛ فقد تبين أن تلك النماذج كانت تميل أحياناً إلى “حفظ” أشكال البروتينات التي رأتها سابقاً بدلاً من تعلم قواعد الطي من الصفر. والآن، يُنتظر من فحص “محرك” أوبن فولد 3 أن يكشف لنا كيف يتعامل الذكاء الاصطناعي مع تفاعلات الأدوية المعقدة، بعيداً عن مجرد التنبؤ القائم على الذاكرة.
تحديات محاكاة “السحر” الرقمي
لم تكن عملية الاستنساخ سهلة. يشير وودي شيرمان، رئيس اللجنة التنفيذية لـ OpenFold، إلى أن الفريق واجه صعوبات جمة في محاكاة الحيل البرمجية الدقيقة التي بقيت في رؤوس مطوري “ألفا فولد 3” ولم تُكتب في الأوراق العلمية. يقول شيرمان: “التفاصيل مهمة جداً، خاصة عندما تتعامل مع نماذج ضخمة وبيانات هائلة”.
ورغم دقة النموذج الجديد، إلا أن شيرمان يؤكد أن البيولوجيا أكثر تعقيداً من مجرد صور ثابتة. في داخل الخلية الحية، تسبح البروتينات في الماء والأيونات، وتهتز وتتحرك باستمرار. النماذج الحالية -بما فيها أوبن فولد 3- تقدم لقطات “مجمّدة”، لكن الفريق يطمح لإضافة الديناميكية، مثل تأثير جزيئات الماء، ليعكس النموذج الواقع البيولوجي بشكل أدق.
تحالف الشركات: الخصوصية مقابل التطور
أدركت شركات الأدوية سريعاً قيمة هذه الأداة. ولحل معضلة البيانات السرية، انضمت خمس شركات كبرى في تحالف تقني فريد يُعرف بـ “مبادرة أوبن فولد 3 الفيدرالية”. تعتمد الفكرة، التي تديرها شركة “أفيريس” (Apheris) الألمانية، على تدريب الذكاء الاصطناعي محلياً داخل كل شركة باستخدام بياناتها الخاصة التي لا تشاركها مع أحد.
يوضح روبن روم، الرئيس التنفيذي لشركة أفيريس، أن قواعد البيانات العامة لا تحتوي إلا على 2% فقط من هياكل البروتينات المقترنة بجزيئات دوائية، بينما تمتلك الشركات في خزائنها آلاف الهياكل غير المنشورة. من خلال هذا النظام الفيدرالي، يتم تجميع “الخبرة” المكتسبة من تدريب النموذج على هذه البيانات الخاصة في نسخة مركزية ذكية، دون أن تخرج البيانات الخام من خوادم الشركات، مما يخلق نموذجاً خارقاً يستفيد منه الجميع دون انتهاك الأسرار التجارية.
في النهاية، يرى شيرمان أن “أوبن فولد 3” ليس خط النهاية، بل هو “نقطة انطلاق”. التأثير الحقيقي والجذري على اكتشاف الأدوية لن يحدث بين ليلة وضحاها، ولكنه سيتراكم مع كل طبقة جديدة من التطوير والفهم تضاف إلى هذا الأساس المفتوح.



