Table of Contents
لنتخيل المريخ قبل مليارات السنين؛ لم يكن ذلك الكوكب الأحمر المقفر الذي نعرفه اليوم، بل كان عالماً يضج بالحياة المحتملة، تغطيه المياه وتلفه أجواء دافئة بفضل غلاف جوي سميك من ثاني أكسيد الكربون. لكن فجأة، وفي حقبة جيولوجية غامضة، تجرد الكوكب من ردائه الغازي، وجفت محيطاته، وتحول إلى صحراء جليدية قاحلة. لطالما كان السؤال الذي أرّق علماء الكواكب لعقود: أين ذهب كل ذلك الكربون الذي كان يمنح المريخ دفئه؟ الإجابة جاءت أخيراً من فوهة “غيل”، حيث نجحت المركبة الجوالة “كيوريوسيتي” في فك شفرة هذا الاختفاء الكبير.
كنز في صخور الفوهة القديمة
في رحلتها الشاقة لصعود جبل داخل قاع بحيرة قديمة جفت منذ زمن سحيق، توقفت مركبة “كيوريوسيتي” (Curiosity) التابعة لوكالة ناسا عند منطقة جيولوجية فريدة تمتد لـ 89 متراً. هناك، قرر العلماء تشغيل مثقاب المركبة لاستخراج عينات من الصخور، ليتم الكشف عن مفاجأة طال انتظارها: معادن كربونية كانت مختبئة لملايين السنين.

يشير بنجامين توتولو، عالم الكيمياء الجيولوجية في جامعة كالجاري الكندية، إلى أن الكربون الذي كان يوماً ما سبباً في تدفئة غلاف المريخ الجوي أصبح الآن محبوساً داخل صخوره الصدئة. ويقول توتولو معلقاً على الاكتشاف: “كان أحد أكبر الأسئلة في تاريخ المريخ هو: أين توجد كل الكربونات؟ واليوم، وللمرة الأولى، وجدناها هنا”. هذا الاكتشاف لا يقدم دليلاً ملموساً على وجود دورة كربون قديمة على الكوكب الأحمر فحسب، بل يفسر أيضاً لماذا خسر المريخ مناخه الصالح للحياة.
الجفاف العظيم ومصيدة الكربون
لطالما حير غياب الكربونات العلماء؛ فإذا كان الغلاف الجوي للمريخ غنياً بثاني أكسيد الكربون، كان يجب أن يتفاعل مع المياه السطحية وصخور الكوكب لتكوين كميات هائلة من معادن الكربونات، لكن المسوحات السابقة لم تجد سوى النزر اليسير. الجديد في هذا البحث، الذي نُشر في دورية Science، هو العثور على معدن كربوني محدد يسمى “السيدريت” (Siderite) أو كربونات الحديد.
عثرت “كيوريوسيتي” على هذا المعدن في منطقة انتقالية، حيث تتغير طبيعة الصخور من طينية موحلة إلى معادن مالحة جافة تعرف بالكبريتات (Sulfates). الوصول إلى هذه المنطقة كان هدفاً رئيساً للمهندسين منذ هبوط المركبة في عام 2012. يوضح توتولو: “نعتقد أن هذا يمثل حقبة الجفاف العظيم للمريخ”.
أظهرت التحليلات الكيميائية التي أجرتها المركبة أن عينات الصخور تحتوي على نسبة تتراوح بين 5 إلى 10 بالمئة من السيدريت من حيث الوزن. هذه الكمية الكبيرة تشير إلى أن الصخور ابتلعت الغلاف الجوي حرفياً. تشكل هذا المعدن على الأرجح مع جفاف الكوكب، عبر تفاعلات معقدة بين المياه والصخور وعمليات التبخر، مما أدى إلى احتجاز الكربون في قشرة الكوكب بدلاً من بقائه في الغلاف الجوي.
دورة كربون “أحادية الاتجاه”
يقودنا هذا الاكتشاف إلى فهم جوهري للاختلاف بين مصير الأرض ومصير المريخ. على كوكبنا، تعمل دورة الكربون بتوازن دقيق؛ حيث تمتص الصخور والمحيطات الكربون، ثم تعيده البراكين والنشاط التكتوني إلى الغلاف الجوي، مما يحافظ على استقرار المناخ لمليارات السنين. أما في المريخ، فكانت القصة مأساوية.
احتوت الصخور التي فحصتها المركبة أيضاً على كميات متفاوتة من “أكسيد هيدروكسيد الحديد”، وهي مواد تتشكل عندما يذوب السيدريت في مياه حمضية. هذا يعني أن جزءاً ضئيلاً من الكربون قد عاد للغلاف الجوي، مما شكّل دورة كربونية بدائية. لكن، وعلى عكس الأرض، كانت صخور سطح المريخ تمتص كربونا أكثر بكثير مما تطلقه.
يصف توتولو، المتخصص أصلاً في دراسة احتجاز الكربون كحل للتغير المناخي على الأرض، هذا الوضع قائلاً: “ثاني أكسيد الكربون ينزل ولا يعود للصعود”. هذه العملية التي تعمل كـ “مصيدة أبدية” هي التي جردت المريخ من غطائه الدافئ، وحولته من كوكب يحتمل وجود الحياة إلى صحراء باردة غير قابلة للسكن.
نظرة نحو المستقبل وعينات العودة
تؤيد جانيس بيشوب، عالمة الكواكب في معهد SETI بولاية كاليفورنيا، هذا التفسير، مشيرة إلى أن وجود السيدريت يقدم “تفسيراً رائعاً” لمكان الكربونات المفقودة وكيف كان الغلاف الجوي القديم سميكاً بما يكفي لدعم المياه السائلة. وتضيف أن الخطوة القادمة تتطلب من الباحثين التدقيق في البيانات المدارية للبحث عن ارتباطات بين الكربونات وأنواع الصخور الأخرى في مناطق مختلفة من المريخ.
ومع ذلك، تظل المعرفة التي نحصل عليها من الروبوتات محدودة مقارنة بما يمكن أن تكشفه المختبرات الأرضية. وكما تؤكد بيشوب، فإن الطريقة الأمثل لتوصيف وتأريخ هذه العينات المريخية بدقة تكمن في إحضارها إلى الأرض، وهو الحلم الذي تسعى وكالات الفضاء لتحقيقه في المهام القادمة، لعلنا نفهم بشكل قاطع كيف يموت كوكب، وكيف نحمي كوكبنا من مصير مشابه.