إدمان القمار: كيف حوّله روبرت كستر من «رذيلة» إلى مرض؟

إدمان القمار: كيف حوّله روبرت كستر من «رذيلة» إلى مرض؟

قبل روبرت كستر، كان القمار يُعامل كخطيئة أخلاقية. تعرف على الطبيب الذي وضع الأسس العلمية لعلاج اضطراب القمار، ولماذا يواجه إرثه اليوم تحدياً غير مسبوق مع انتشار المراهنات الرقمية.

Share your love

الولايات المتحدة

في ليلة مظلمة من عام 1987، كان كريس أندرسون يواجه الهاوية. بعد سنوات من استنزاف ثروته في مضاربات الأسهم عالية المخاطر، وانهيار حياته الأسرية، وجد نفسه مفلساً وتطارده الأفكار الانتحارية. ورغم الفوضى العارمة، لم يستطع التوقف عن المراهنة. في تلك اللحظة الفاصلة، التقى برجل وقور ذي نظرات هادئة سأله ببساطة: «أنت تتألم حقاً، أليس كذلك؟». لم يكن أندرسون يعلم حينها أن هذا الرجل هو الطبيب النفسي روبرت كستر، الشخص الذي سيغير وجه الطب النفسي بإثباته أن المقامرة ليست مجرد رذيلة أخلاقية، بل مرض قابل للعلاج.

من «الرذيلة» إلى العيادة النفسية

قبل ظهور روبرت كستر في السبعينيات، كان المجتمع الطبي ينظر إلى المقامرة نظرة قاصرة ومشتتة. حتى سيغموند فرويد، مؤسس التحليل النفسي، قدم في العشرينيات نظريات ربطت القمار القهري بدوافع جنسية مكبوتة، وهي نظريات لم تصمد أمام الاختبار العلمي. لكن كستر، الذي ولد في بنسلفانيا عام 1927، شق طريقاً مختلفاً تماماً، مستنداً إلى الملاحظة السريرية المباشرة بدلاً من التنظير المجرد.

بعد إكماله تدريبه في الطب النفسي وعمله مع قدامى المحاربين الذين يعانون من إدمان الكحول، لاحظ كستر نمطاً مألوفاً لدى المقامرين. في عام 1972، افتتح رسمياً أول برنامج علاج داخلي متخصص لاضطراب القمار في مستشفى المحاربين القدامى في أوهايو. كان نهجه ثورياً في بساطته وفعاليته: دمج العلاج النفسي الفردي والجماعي مع اجتماعات «مقامرون مجهولون» (Gamblers Anonymous)، معتمداً على بروتوكولات مشابهة لعلاج إدمان المخدرات.

غلاف كتاب عندما ينفد الحظ للطبيب روبرت كستر
كتاب «عندما ينفد الحظ» (When Luck Runs Out) الصادر عام 1985، والذي شارك كستر في تأليفه، يُعد من المراجع التأسيسية التي نقلت فهم المقامرة من السلوك الطائش إلى الاضطراب النفسي.

تأسيس علم «المقامرة المرضية»

لم يكتفِ كستر بالعلاج، بل وضع الأسس الأولى لجمع البيانات السريرية. وبمساعدة زوجته ليليان، أجرى مسوحات دقيقة على أعضاء مجموعات الدعم، كاشفاً عن خيوط مشتركة مثيرة للاهتمام: العديد من المقامرين عاشوا طفولة صعبة، وكانوا يتمتعون بروح تنافسية عالية ومهارات رياضية في شبابهم. والأخطر من ذلك، وجد أن القليل منهم يطلب المساعدة قبل الوصول إلى مراحل متأخرة مصحوبة بالاكتئاب الشديد.

أثمرت جهوده الميدانية نتائج ملموسة؛ حيث أظهرت دراسة أجراها زملاؤه عام 1984 أن 55% من خريجي برنامجه العلاجي أبلغوا عن الامتناع التام عن القمار بعد عام واحد. هذا النجاح العملي منح كستر الثقل اللازم للتأثير في «الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية» (DSM)، وهو المرجع الأساسي للأطباء النفسيين حول العالم.

معركة التصنيف: هل هو مجرد اندفاع؟

يعتقد الكثيرون أن إدراج «المقامرة المرضية» في النسخة الثالثة من الدليل التشخيصي (DSM-III) عام 1980 كان انتصاراً سهلاً، لكن الحقيقة أكثر تعقيداً. يوضح ريتشارد روزنتال، الباحث في تاريخ الإدمان السلوكي بجامعة كاليفورنيا (UCLA)، أن اللجنة المسؤولة كانت تتجه لتصنيف القمار كشكل بسيط من أشكال «ضعف السيطرة على الاندفاع»، مشابهاً لهوس إشعال الحرائق (Pyromania) أو السرقة المرضية (Kleptomania).

تدخل كستر بقوة لتغيير هذا المسار. جادل بأن المقامرة المرضية ليست مجرد فشل لحظي في كبح الرغبة، بل هي حالة ذات مسار تقدمي وتصاعدي، تبدأ بسلوكيات غير صحية وتنتهي بعواقب مالية واجتماعية مدمرة، تماماً مثل إدمان المواد المخدرة. بفضل رؤيته، تضمن التشخيص معايير مثل تراكم الديون وتدهور العلاقات الأسرية، مما مهد الطريق لاحقاً في عام 2013 لنقل اضطراب القمار رسمياً إلى قسم «الاضطرابات المتعلقة بالمواد والإدمان».

كازينو في جيبك: التحدي الجديد

رغم إرث كستر الكبير، يواجه مجال علاج القمار اليوم تحديات لم تخطر بباله عند وفاته عام 1990. لقد تحول القمار من صالات الكازينو المغلقة في لاس فيغاس إلى تطبيقات الهواتف الذكية المتاحة على مدار الساعة. تشير هيذر واردل، عالمة الاجتماع بجامعة غلاسكو، إلى أن التكنولوجيا الحديثة جعلت الوصول إلى القمار فورياً وأكثر شراسة.

خريطة الولايات المتحدة توضح الولايات التي تسمح بالمراهنات الرياضية عبر الإنترنت
خريطة تظهر توسع تقنين المراهنات الرياضية الإلكترونية في الولايات المتحدة (باللون الأحمر) منذ عام 2010، مما حول الهواتف الذكية إلى منصات قمار متنقلة.

وتكشف الأرقام عن واقع مقلق؛ فقد وجد استطلاع وطني حديث أن نسبة البالغين الذين أبلغوا عن المقامرة عبر الإنترنت ارتفعت من 15% في عام 2018 إلى 22% في عام 2024. ورغم هذا الانفجار الرقمي، يرى الخبراء أن البحث العلمي لم يواكب هذا التطور، حيث لا تزال التمويلات شحيحة وغالباً ما تأتي من صناعة القمار نفسها، مما يطرح علامات استفهام حول حياديتها.

إرث ينتظر التطوير

يرى كريس أندرسون، الذي تحول من مريض لدى كستر إلى معالج مرخص يساعد الآخرين، أن معلمه كان سيشعر بـ «خيبة أمل عميقة» لبطء التقدم في فهم وعلاج هذا الإدمان، خاصة مع غياب أي أدوية معتمدة خصيصاً لهذا الاضطراب حتى الآن. ومع ذلك، فإن المبادئ الإنسانية التي أرساها كستر – القائمة على التعاطف ونبذ الوصمة الأخلاقية – تظل السلاح الأقوى في المواجهة.

اليوم، وبينما يحمل المراهقون والبالغون كازينوهات مصغرة في جيوبهم، تبدو الحاجة إلى استلهام روح روبرت كستر العلمية والإنسانية أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فالاعتراف بالمشكلة كمرض، وليس كخطيئة، هو الخطوة الأولى التي لا غنى عنها نحو التعافي.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Stay informed and not overwhelmed, subscribe now!