Table of Contents
لطالما اعتبرنا حليب الأم الحصن الأول ومصدر المناعة الطبيعية للرضيع، لكن يبدو أن البيولوجيا تخبئ مفاجآت غير سارة أحياناً في أدق التفاصيل. ففي تطور علمي يثير الانتباه والقلق معاً، تشير أدلة أولية حديثة إلى أن الأنسجة البشرية المسؤولة عن تغذية أطفالنا قد تمتلك “مفاتيح كيميائية” خاصة، تسمح لفيروس إنفلونزا الطيور باختراقها، محولةً مصدر الحياة هذا إلى مسار محتمل لنقل العدوى.
من الأبقار إلى البشر.. رحلة البحث عن “المستقبلات”
بدأت خيوط القصة تتكشف عندما ضرب فيروس (H5N1) مزارع الأبقار الحلوب في الولايات المتحدة عام 2024. حينها، لاحظ العلماء شيئاً غريباً: العدوى لم تكن تنفسية فحسب، بل تركزت بشكل مكثف في ضروع الأبقار وظهر الفيروس في حليبها. هذا المشهد دفع كاري باينغتون، المتخصصة في الأمراض المعدية لدى الأطفال بجامعة كاليفورنيا في سان دييغو، لطرح سؤال بديهي ومخيف في آن واحد: “إذا كانت غدد الثدي لدى الأبقار بيئة خصبة للفيروس، فهل يمكن أن يحدث الأمر ذاته لدى البشر؟”.

لم تكن هناك دراسات سابقة تجيب عن هذا التساؤل في الأدبيات الطبية، مما دفع باينغتون للتعاون مع فريق من علماء الأمراض لفحص أنسجة الثدي البشري، في محاولة لفهم ما إذا كانت بيولوجيا أجسامنا تشرع الأبواب لهذا الضيف الثقيل.
دعوة كيميائية للفيروس
في الدراسة التي نُشرت نتائجها الأولية في الثامن من أغسطس على موقع (medRxiv)، قام الفريق البحثي بفحص أنسجة سليمة أُخذت من أربع نساء خضعن لجراحات ثدي سابقة. ما وجدوه كان بمثابة “نقطة رسو” للفيروس؛ إذ تحتوي غدد الثدي البشرية على مستقبلات خلوية محددة – وهي عبارة عن جزيئات سكر تُعرف باسم “أحماض السياليك” (Sialic acids).
عادةً ما تستخدم فيروسات الإنفلونزا البشرية والخنزيرية هذه السكريات للتمسك بالخلايا واختراقها. لكن المفاجأة المقلقة كانت في العثور أيضاً على نوع دقيق من مستقبلات حمض السياليك التي تُفضلها فيروسات إنفلونزا الطيور مثل (H5N1). هذا الاكتشاف يعني – من الناحية النظرية – أن الفيروس يمتلك القدرة البيولوجية على الارتباط بخلايا الثدي البشري واستعمارها.
خطر محتمل في وقت حرج
يفتح هذا الاكتشاف الباب أمام سيناريو لم يكن في الحسبان: هل يمكن للأمهات المرضعات المصابات بالفيروس نقل العدوى لأطفالهن الرضع عبر الحليب؟ تؤكد باينغتون أن هذا السؤال “ملح للغاية” ويجب طرحه الآن وبقوة قبل أن نجد أنفسنا في مواجهة تفشٍ واسع النطاق أو جائحة محتملة.
تكتسب هذه المخاوف وجاهتها من الواقع الوبائي الحالي؛ فمنذ سبتمبر 2024، سجلت الولايات المتحدة 79 إصابة بشرية بفيروس (H5)، معظمها بين عمال المزارع الذين عانوا من أعراض خفيفة، مع تسجيل حالة وفاة واحدة. ورغم أن الفيروس لم يطور بعد الطفرات اللازمة للانتقال السهل والمباشر بين البشر، إلا أن وجود “بوابة خلفية” محتملة عبر الرضاعة الطبيعية قد يغير معادلات انتقال العدوى.
ماذا بعد؟
من المهم التأكيد على أن هذه النتائج لا تزال خطوة أولى في طريق طويل من البحث، ولم تخضع بعد للمراجعة العلمية النهائية. فوجود المستقبلات لا يعني بالضرورة حتمية العدوى، لذا يعكف الباحثون حالياً على التحقيق فيما إذا كان فيروس (H5N1) قادراً على البقاء حياً ونشطاً داخل حليب الأم البشري، وكيفية وصوله أصلاً من مجرى الدم أو الجهاز التنفسي إلى الغدد اللبنية.
ويبقى الأمل معقوداً على الدراسات المستقبلية لتحديد ما إذا كانت اللقاحات الحالية أو مضادات الفيروسات قادرة على حماية هذا الرابط المقدس بين الأم وطفلها، وتقليل المخاطر المحتملة قبل أن يتحول التهديد النظري إلى واقع سريري.