
رامي عزيز* – (معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى) 6/4/2020
منذ الإعلان عن الإصابة الأولى المؤكدة بفيروس كورونا في إيطاليا في أواخر شهر كانون الثاني (يناير)، انتشر الفيروس في أنحاء البلاد كافة بسرعة غير مسبوقة، حتى أصبحت إيطاليا اليوم إحدى أولى بؤر هذا الوباء العالمي مع استمرار عدد الإصابات المؤكدة والوفيات بالارتفاع، بالرغم من أن فرض إجراءات التباعد الاجتماعي يمنح بعض الأمل للشعب الإيطالي.
وفيما تسببت تدابير الإغلاق الصارمة التي فرضتها الحكومة الإيطالية بقلب حياة الكثيرين رأسا على عقب، خلّف الوباء تأثيراته على الدولة الإيطالية بحكم موقعها في حوض البحر الأبيض المتوسط. وتبدو الأعداد الضخمة من المهاجرين الموجودين في إيطاليا والذين ينحدر معظمهم من الدول الأفريقية، معرّضة بشكل خاص لأن تتحول إلى تجمّع جديد يتفشى عبره الفيروس. وفي الصورة الكبرى، نرى أن رد فعل الدول الأخرى إزاء المأساة الإيطالية دفع الإيطاليين من مختلف الأطياف إلى التكاتف معاً في ظل تنامي الاستياء من الاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا التوافق المتجدد أن يؤثر على الرأي العام فيما يتعلق بأهم قضايا السياسة الخارجية، على غرار مسألة ليبيا.
دور اللاجئين في تعقيد إجراءات الإغلاق التام في إيطاليا
مع فرض الإغلاق التام على البلاد بأسرها وإقفال المؤسسات غير الأساسية، أصبحت تجمعات المهاجرين الضخمة في إيطاليا نفسها معرّضة بشكل خاص للخطر. فإيطاليا هي مقصدٌ للكثير من المهاجرين من دول شمال أفريقيا وجنوب الصحراء الكبرى الراغبين في الهرب إلى أوروبا، ويسافر نحو 82 في المائة من المهاجرين إلى أوروبا عبر الممر البحري بين ليبيا وإيطاليا. وقد وصل إلى إيطاليا 492.841 لاجئا ومهاجرا بالزوارق بين كانون الثاني (يناير) 2015 وآذار (مارس) 2020.
تجدر ملاحظة أن الرحلة البحرية بين ليبيا وإيطاليا غدّارة وقاتلة؛ إذ تسببت منذ العام 2015 بغرق نحو عشرة آلاف شخص. واليوم يتفاقم خطر الغرق مع تفشي الوباء بسبب تعليق خدمات الإنقاذ منذ أواخر شهر شباط (فبراير). وفي العادة، تسيّر المنظمات غير الحكومية دوريات في وسط البحر المتوسط لإنقاذ المهاجرين من الزوارق المنقلبة، لكن هذه المنظمات أوقفت عملياتها اليوم بسبب اشتداد خطورة الفيروس في أوروبا، مع الإشارة إلى أن حرس السواحل الإيطالي كان قد أنقذ في الماضي أعداداً تصل إلى خمسة آلاف شخص في اليوم.
فضلاً عن ذلك، فرضت الحكومة الإيطالية الحجر الصحي لمدة أسبوعين على السفن كافة التي ترسو في الموانئ الإيطالية نظراً لتفشي الفيروس. وبالتالي، توقفت مؤقتاً الخدمات العديدة التي تُعنى بمساعدة اللاجئين، أو اضطرت إلى تقليص عدد موظفيها التزاماً بقرار الإغلاق التام في إيطاليا.
ونظراً لحدة تفشي الفيروس في إيطاليا، يخشى الكثيرون أن تكون الشرائح السكانية الضعيفة هي الأكثر تضرراً منه. وبذلك، قد يكون أولئك الذين نجحوا في الوصول من ليبيا إلى إيطاليا عرضةً لخطر الإصابة أكثر من سواهم بسبب رداءة الظروف المعيشية في ملاجئ إيطاليا المكتظة. وتضم بعض المراكز عشرة أشخاص في كل غرفة، وبذلك يستحيل تطبيق تدابير السلامة الصحية والتباعد الاجتماعي الموصى بها. وما يزيد هذه المخاطر حدةً هو النقص في المياه الجارية والمواد المعقمة في تلك المراكز، خصوصاً في المراكز الواقعة في جنوب إيطاليا. وقد دفعت هذه الظروف المروعة وزيرة الداخلية لوتشيانا لامورجيزي إلى المطالبة بخطة تشمل إعادة توزيع هؤلاء المهاجرين على المراكز المختلفة المنتشرة في إيطاليا، في محاولةٍ لتخفيف الضغط على مراكز الإيواء المتواجدة عند الخطوط الأمامية.
مع ذلك، تبذل بعض المنظمات جهوداً أكبر لرفع الوعي لدى المهاجرين وإشراكهم فيما يجري من خلال معالجة الحواجز اللغوية. فغالبية المعلومات المتوفرة عن فيروس كورونا تتجاهل هذه النسبة الكبيرة من السكان الذين قد يحتاجون إلى الاطلاع على هذه التوجيهات بلغات أخرى. لذلك، أطلق عدد من منظمات المجتمع المدني الإيطالي حملات توعية بين المهاجرين حول مخاطر الفيروس وكيفية وقف تفشّيه. وعلى سبيل المثال، قامت جمعية “أركا دي نوي” بإنتاج أفلام تثقيفية ومنصات إلكترونية بلغات متعددة، كالعربية وغيرها، حول الممارسات اللازمة لكبح تفشي الفيروس.
يُشار إلى أن الاتحاد الأوروبي وإيطاليا وضعا، في محاولة لضبط الهجرة غير الشرعية من ليبيا، سلسلة مشاريع تهدف إلى تأمين الحدود الليبية، بينما يتم في الوقت نفسه الحد من الهجرة غير الشرعية. ومنذ ثلاث سنوات، أبرمت إيطاليا وليبيا اتفاقية ساعدت السلطات البحرية الليبية على إيقاف الزوارق وإعادة الأشخاص إلى مراكز الاحتجاز. كما عملت إيطاليا على تدريب وتجهيز خفر السواحل الليبي وأجهزة أخرى لإبقاء المهاجرين داخل ليبيا. ومنذ إبرام الاتفاق في العام 2017، تم ضبط نحو أربعين ألف شخص وإعادتهم إلى ليبيا، من بينهم 947 شخصاً في شهر كانون الثاني (يناير) من هذا العام.
احتمال حدوث تغيّر في الهوية: تعامل إيطاليا مع فيروس كورونا
في المقابل، انطوى هذا الوباء على جانب إيجابي غير متوقع، وهو قدرته على توحيد الإيطاليين على اختلاف خلفياتهم. فقد أظهر السكان من مختلف الأديان والجنسيات بوادر تضامن غير مسبوقة في إطار المسعى الجماعي للتغلب على الوباء. وهذا التضامن ضروري لأن من المرجّح أن تعيش البلاد تبعات هذا الفيروس الفتّاكة لسنوات طويلة، والوضع اليوم يوصف بأنه أسوأ من الدمار الذي تبع الحرب العالمية الثانية.
في هذا السياق، أظهر المسلمون في إيطاليا، الذين تضاعف عددهم خلال السنوات العشرين الماضية إلى نحو مليون ونصف المليون، تضامناً لافتاً مع الشعب الإيطالي في هذه الظروف. فقد بدأ بعض الأئمة بالظهور على مواقع التواصل الاجتماعي في بثّ مباشر من المدن المتضررة، ليطلبوا من المسلمين الالتزام بالقوانين وإجراءات الحجر الصحي المفروضة لمكافحة الفيروس. كما أطلق الأئمة مبادرات دعم للمستشفيات، من بينها حملات للتبرع بآلاف الكمامات الطبية. ويتم أيضاً بذل جهودٍ كبيرة، من أجل التركيز بشكل رئيسي على محاربة الشائعات التي يجري تناقلها عن حرق جثث المصابين بالفيروس -وهو عملٌ يتعارض بشدة مع المعتقدات الإسلامية والذي من شأنه أن يثير بلبلة كبيرة في أوساط المسلمين. واللافت هو أن إيطاليا ظلّت تحترم عادات وتقاليد كل الأديان في هذه المرحلة الحساسة، فحرصت السلطات على توصيل جثث المسلمين إلى الأئمة لتتم مواراتهم الثرى وفق مراسم الدفن الإسلامية، على أن يتم الالتزام بشروط السلامة التي تستوجب أن لا تُقام مراسم الدفن بشكل يعرّض الآخرين لخطر التقاط العدوى.
ومن الملحوظ أن حسّ التضامن الإيطالي هذا يظهر في مرحلةٍ يزداد فيها الإيطاليون انتقاداً لفشل الاتحاد الأوروبي في مساعدة إيطاليا. فقد عمدت ألمانيا وجمهورية التشيك كلتاهما إلى منع نقل المعدات الحيوية إلى البلد، ومع إقفال الحدود ضمن منطقة شنغن -الأمر الذي كشف عن ضيق حدود هذه الاتفاقيات- تدخّلت الصين وروسيا بطرقٍ أثارت لدى الإيطاليين شعورا صادقا بالمودّة وحسن النية تجاههما. وإذا أصبحت هذه المودة شعوراً دائماً، فمن الممكن أن يؤثر هذا التحول على سياسة إيطاليا الخارجية في منطقة المتوسط فيما يعمل كلٌّ من الاتحاد الأوروبي وروسيا والصين على تأمين مصالحه في شمال أفريقيا.
في الحقيقة، ليست مسألة تنامي النفوذ الروسي -وبدرجة أقل النفوذ الصيني– في شمال أفريقيا بالقضية الجديدة. لكن الانشقاقات الظاهرة داخل الاتحاد الأوروبي تحت وطأة تفشير وباء “كورونا” تشير هي أيضاً إلى احتمال حدوث تبدّل في مواقفه من الصراعات في الشرق الأوسط التي كانت في السابق محط صدامٍ بين الاتحاد الأوروبي وروسيا. وفي خضم الصراع الذي تعيشه أوروبا، قد تميل إيطاليا إلى تأييد تعاظم النفوذ الروسي والصيني في دولٍ مثل ليبيا وسورية -أو التعامل بحياد مع هذا الشأن على الأقل.
ولا بد من الإشارة أيضاً إلى حقيقة أن ليبيا تتمتع بأهمية خاصة بالنسبة لإيطاليا نظراً لقُرب موقعَيهما الجغرافيين وماضي إيطاليا الاستعماري في ليبيا. واليوم، تعتبر روما الحرب الأهلية الدائرة في ليبيا قضية أمن قومي بسبب سيل الهجرة غير الشرعية والإرهابيين الوافد من ليبيا. وفيما تؤيد إيطاليا “حكومة الوفاق” المدعومة من الأمم المتحدة في طرابلس، تقدم روسيا دعماً كبيراً للواء خليفة حفتر.
ومع تبنّي فرنسا موقفاً مناقضاً للموقف الإيطالي، من الممكن أن تتخلى إيطاليا شيئاً فشيئاً عن موقفها الراهن، لا سيما بعد فشل مساعيها للتوسط في النزاع.
من المرجح أن يرسم وباء “كورونا” مستقبل إيطاليا في السنوات المقبلة، بأشكال لا ترتبط فقط بمجال الرعاية الصحية. فما بين مشاكل الهجرة المستمرة التي تواجهها إيطاليا، وتكاتف مختلف فئات المجتمع في هذه المرحلة الاستثنائية، من الممكن أن تشهد إيطاليا تبدّلاً في عناصر هويتها، والتي قد يصبح خاصيةً ثابتة من خصائص هذه الدولة.
*باحث ومحلل للشرق الأوسط والشؤون الدولية وزميل باحث في معهد دراسة معاداة السامية والسياسة العالمية.

