Table of Contents
لطالما كانت النقوش الحجرية القديمة بمثابة «كبسولات زمنية» صامتة، تخفي بين طياتها أسرار الإمبراطوريات الغابرة، وتنتظر عينًا خبيرة لفك طلاسمها. ولكن، ماذا لو كانت هذه العين ليست بشرية، بل عينًا رقمية قادرة على رؤية ما عجز عنه المؤرخون لقرون؟ في خطوة تمزج بين عبق التاريخ الروماني وأحدث تقنيات العصر، نجح نظام ذكاء اصطناعي جديد في إعادة قراءة واحد من أشهر النصوص اللاتينية في التاريخ، كاشفًا عن خبايا سياسية وقانونية لم يلتفت إليها البشر من قبل في وصية الإمبراطور أوغسطس.
«إينياس»: المحقق الرقمي في دهاليز روما
في دراسة حديثة نشرتها دورية Nature المرموقة، كشف فريق من الباحثين، بقيادة علماء من «جوجل ديب مايند» (Google DeepMind)، عن نظام ذكاء اصطناعي جديد أطلقوا عليه اسم «إينياس» (Aeneas)، تيمنًا بالبطل الطروادي والجد الأسطوري للرومان. هذا النظام لا يكتفي بترجمة الكلمات، بل يغوص في عمق السياق التاريخي واللغوي للنقوش اللاتينية.

يعتمد «إينياس» في عمله على بنية برمجية متطورة تُعرف بـ «الشبكة العصبية التوليدية» (Generative Neural Network). وقد تم تدريبه على قاعدة بيانات فريدة من النقوش اللاتينية، مما مكنه من مساعدة الخبراء البشريين في تفسير النصوص المتآكلة، ونسبتها إلى فتراتها الزمنية الصحيحة، وحتى استعادة الأجزاء المفقودة منها بدقة مذهلة.
إعادة قراءة «إنجازات أوغسطس الإلهي»
طبق الباحثون قدرات «إينياس» على نقش أثري ذي أهمية استثنائية: «إنجازات أوغسطس الإلهي» (Res Gestae Divi Augusti). هذا النص، الذي نُقش قديمًا على أعمدة برونزية في روما ونُسخ في جميع أنحاء الإمبراطورية، كان يُنظر إليه تقليديًا على أنه سيرة ذاتية تمجد أعمال أول إمبراطور لروما.
لكن التحليل الخوارزمي قدم منظورًا مغايرًا. فبعد مقارنة النقش بنصوص لاتينية أخرى، وجد «إينياس» توازيات لغوية دقيقة تربط نص أوغسطس بالوثائق القانونية الرومانية، مما يشير إلى أن النص لم يكن مجرد سرد تاريخي، بل كان مشبعًا بـ «الخطاب السياسي الإمبراطوري»؛ وهي رسائل مصممة بعناية فائقة لترسيخ السلطة وشرعنتها، وهي بصمة خفية لم يلحظ المؤرخون التقليديون مداها من قبل.
نمذجة الشك التاريخي
إحدى أكثر النتائج إثارة كانت قدرة الذكاء الاصطناعي على التعامل مع الغموض الزمني. عند تحليل تاريخ كتابة نقش «إنجازات أوغسطس»، حدد «إينياس» فترتين زمنيتين محتملتين بوزن ترجيحي متقارب: الأولى بين عامي 10 ق.م و1 ق.م، والثانية بين عامي 10 م و20 م (وهي الفترة المحيطة بوفاة أوغسطس عام 14 م).
وتعلق المؤرخة «ثيا سومرشيلد» من جامعة نوتنغهام البريطانية والمشاركة في الدراسة قائلة: «هذه الطريقة في نمذجة النقاش العلمي كانت نتيجة مثيرة حقًا بالنسبة لنا». هذا الانقسام الذي أظهره الذكاء الاصطناعي يعكس بدقة الجدل الدائر بين المؤرخين البشر حول توقيت تأليف النص، مما يؤكد أن الآلة لا تقدم إجابات جامدة فحسب، بل يمكنها محاكاة التعقيد والشك الذي يكتنف الدراسات التاريخية.
ثورة في علم النقوش
يأتي «إينياس» كخطوة تالية لنظام «إيثاكا» (Ithaca) الذي طوره نفس الفريق سابقًا لترميم النقوش اليونانية القديمة. ويؤكد «يانيس أسايل»، عالم الكمبيوتر في «جوجل ديب مايند»، أن هذا الابتكار يتجاوز كونه دراسة حالة ناجحة، ليصبح «طريقة جديدة لنمذجة عدم اليقين التاريخي، مما يغير الطريقة التي ندرس بها التاريخ».
وفي تعليق لهما، أشار المؤرخان الكلاسيكيان «جاكي بينز» و«إدوارد روس» من جامعة ريدينغ، إلى أن الأنظمة الذكية مثل «إينياس» لا تهدف لاستبدال المؤرخين، بل لتحريرهم. فالمهام التي كانت تستنزف وقتًا طويلاً في التصنيف والمقارنة باتت الآن أسرع، مما يسمح للباحثين بقضاء وقت أطول في «رسم الروابط عبر العالم القديم» وفهم السياقات الاجتماعية والحضارية العميقة التي تقدمها هذه النقوش، باعتبارها أقدم أشكال الكتابة والشاهد الأول على الفكر الإنساني القديم.