Table of Contents
في القرن الرابع عشر الميلادي، دوّن الرحالة العربي الشهير ابن بطوطة ملاحظة مثيرة خلال رحلته في جنوب شرق آسيا، متحدثاً عن “علقات طائرة” تتربص على الأشجار والنباتات قرب المياه لتقفز على المارة. ورغم دقة وصفه، إلا أن الأوساط العلمية الغربية شككت في هذه الرواية لمئات السنين، واعتبر علماء الأحياء منذ عام 1886 أن ما رآه الرحالة لم يكن سوى “سقوط” عشوائي لهذه الديدان، نافين قدرتها على القفز الفعلي. اليوم، وبعد قرون من هذا الجدل، تأتي لقطات فيديو نادرة التقطت بمحض الصدفة لتنصف التاريخ وتفتح فصلاً جديداً في علم حركة اللافقاريات.
الصدفة التي قلبت الموازين
بدأت القصة في غابات مدغشقر المطيرة، عندما كانت مي فهمي، عالمة الأحياء المتخصصة في الحفظ الحيوي بالمتحف الأمريكي للتاريخ الطبيعي وجامعة فوردهام، توثق رحلتها الميدانية الأولى. التقطت فهمي مقطعي فيديو في عامي 2017 و2023 لنوع من العلقات الأرضية البنية الصغيرة المعروفة باسم (Chtonobdella). في البداية، ظنت الباحثة أنها صورت سلوكاً روتينياً، لتقول: «عدت إلى نيويورك معتقدة أنني أمتلك مجرد فيديو لطيف لعلقة تمارس حياتها الطبيعية».
لكن ما اعتبرته مشهداً عادياً كان في الحقيقة دليلاً دامغاً في قضية يصنفها مايكل تيسلر، أخصائي العلقات في المتحف الأمريكي، كواحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في بيولوجيا هذه الكائنات. الدراسة التي نشرها الباحثان في العشرين من يونيو بدورية Biotropica تشير إلى أن العلقات لا تسقط فحسب، بل تمتلك آلية دفع ميكانيكية مقصودة.

تشريح القفزة: انقباض فانطلاق
تكمن صعوبة حسم هذا الجدل تاريخياً في تعريف ماهية “القفز” ذاته بالنسبة لكائن رخو لا يملك أرجلاً. يوضح تيسلر، الباحث أيضاً في كلية ميدغار إيفرز بجامعة مدينة نيويورك، أن المعيار الأساسي هو “الدفع النشط”. فبينما يعتقد المشككون أن العلقات تفلت قبضتها لتسقط بفعل الجاذبية، يُظهر الفيديو شيئاً مختلفاً تماماً.
في اللقطات المصورة، لا تكتفي العلقة بالسقوط؛ بل تقوم بحركة تحضيرية واضحة. يصف الباحثون المشهد بأن العلقة “تلتف” أو تنقبض إلى الخلف تماماً كما تفعل الأفعى الكوبرا قبل توجيه لدغة، ثم تطلق نفسها بقوة في الهواء بعيداً عن حافة الورقة. هذا السلوك يتوافق مع التعريف الذي اقترحه الفريق للقفز: “حركة مقصودة تدفع الكائن حيوياً وعضلياً إلى الخارج أو الأعلى”. وتجدر الإشارة إلى أن هذا النوع من العلقات ينتمي لنفس طائفة ديدان الأرض، ورغم سمعتها السيئة كمتطفلات، إلا أنها تلعب دوراً بيئياً هاماً، وتستخدم دماؤها حالياً كأداة لرصد التنوع البيولوجي للكائنات النادرة.
بين الشك واليقين العلمي
رغم وضوح الفيديو بالنسبة لفريق البحث، إلا أن المجتمع العلمي استقبل النتائج بمزيج من الحماس والحذر، وهو ما يعكس طبيعة البحث العلمي الرصين. كريس دارلينغ، كبير أمناء الحشرات في متحف أونتاريو الملكي بتورونتو، والذي سبق له وصف حركات قفز لدى يرقات الذباب، وصف حركة العلقة في الفيديو بأنها “قفزة واضحة”.
في المقابل، أبدت شيلا باتيك، المتخصصة في الميكانيكا الحيوية التطورية بجامعة ديوك، رأياً أكثر تحفظاً. فبعد مشاهدة الفيديو، علقت بأن الحركة تبدو “شيئاً ما بين السقوط، والهبوط الجوي الموجه، والإطلاق الموجه”، مشيرة إلى أنها لا تستطيع الجزم بكونها قفزة بالمعنى الفيزيائي الدقيق. ومع ذلك، يتفق الجميع على أن الفيديو ينقل النقاش من مجرد تكهنات تاريخية ونصوص قديمة إلى تحليل مادي ملموس في العصر الرقمي.
ما وراء الحركة البهلوانية
لا تتوقف أهمية هذا الاكتشاف عند إثبات صحة ملاحظات ابن بطوطة أو فضول علماء الأحياء؛ ففهم آليات الحركة لدى الكائنات الرخوة يفتح آفاقاً جديدة في مجالات الميكانيكا الحيوية والروبوتات الرخوة. إن تأكيد قدرة كائنات بسيطة تشريحياً مثل العلقات على توليد طاقة دفع كافية للقفز دون وجود أطراف صلبة يدفعنا لإعادة التفكير في حدود القدرات العضلية في الطبيعة. وربما، في المرة القادمة التي تتجول فيها في غابة مطيرة، عليك أن تتذكر أن الخطر قد لا يأتي زحفاً فقط، بل قد يأتيك محلقاً في الهواء.