Table of Contents
في عالم الطبيعة القاسي، لا البقاء للأقوى فحسب، بل للأكثر دهاءً أيضاً. وبينما اعتدنا سماع قصص عن حيوانات تتقن فن التمويه، فإن النباتات تمارس ألاعيب لا تقل دقةً وخبثاً. في غابات جنوب غرب الصين، اكتشف العلماء خدعة بصرية متقنة تنفذها نبتة متسلقة، حيث استطاعت استبدال ثمارها الحقيقية بنسخ «مزيّفة» لا تحتوي على أي غذاء، ورغم ذلك، تتسابق الطيور لابتلاعها ونشرها في كل مكان، ظناً منها أنها حصلت على وجبة دسمة.
عندما يُخدع الخبراء قبل الطيور
بدأت القصة بمصادفة بحتة واجهت الباحث جاو تشين، عالم البيئة في معهد كونمينغ للنباتات التابع للأكاديمية الصينية للعلوم. ففي عام 2019، وأثناء مهمة لجمع البذور، وقعت عيناه على ما بدا وكأنه ثمار توت سوداء لامعة تتدلى من نبتة تُعرف باسم «يام البصيلات السوداء» (Dioscorea melanophyma).

التقط تشين واحدة من تلك الكرات السوداء محاولاً استخراج البذور منها، لكن المفاجأة كانت عند شقها؛ لم يجد بذوراً بالداخل. أدرك حينها أنه لا يحمل ثمرة حقيقية، بل «بُصيلة» (Bulbil)، وهي برعم نباتي يُستخدم للتكاثر اللاجنسي (الاستنساخ). دار في خلد تشين حينها تساؤل جوهري: «إذا تمكنت هذه النبتة من خداعي أنا العالم المتخصص، فلا بد أنها تخدع الطيور أيضاً».
آلية الاحتيال: استنساخ بزيّ ثمار
عادةً ما تعتمد النباتات المزهرة على الثمار الحقيقية المغلفة للبذور لإغراء الحيوانات بأكلها ونقلها، مكافئةً إياها بوجبة مغذية من السكر والطاقة. لكن نبتة اليام هذه فقدت قدرتها على التكاثر الجنسي عبر البذور، واضطرت للجوء إلى استنساخ نفسها عبر البصيلات. المشكلة في البصيلات التقليدية أنها عادة ما تكون باهتة اللون وتسقط ببساطة بجوار النبتة الأم، مما يحد من انتشار النوع.

هنا يكمن الحل التطوري العبقري الذي كشف عنه الفريق الدولي ونشره في «دورية الأكاديمية الوطنية للعلوم» (PNAS). لقد طوّرت هذه النبتة بصيلات سوداء لامعة تُحاكي تماماً مظهر التوت البري المغذي. ولإثبات هذه الفرضية، قارن فريق تشين مظهر هذه البصيلات مع ثمار 15 نوعاً نباتياً مجاوراً، ووجدوا تطابقاً بصرياً يجعل التمييز بينها شبه مستحيل.
الضحية: طائر يخرج خالي الوفاض
على مدار ثلاث سنوات من المراقبة باستخدام الكاميرات الخفية، رصد الفريق 22 نوعاً من الطيور تقترب من هذه البصيلات، وبعضها يلتهمها بشراهة. وكان الضحية الأبرز هو طائر «البلبل ذو الصدر البني» (Pycnonotus xanthorrhous).
أظهرت التجارب المخبرية أن هذا الطائر يفضل الثمار الحقيقية عندما تكون متاحة. ولكن، عندما تشح الموارد، خاصة في فصل الشتاء، ينطلي الخداع عليه فيلجأ لأكل البصيلات المزيفة. يبتلع الطائر البصيلة، التي تمر عبر جهازه الهضمي دون أن تتأذى، لتخرج مع الفضلات بعد حوالي نصف ساعة. خلال هذه المدة القصيرة، يكون الطائر قد نقل «نسخة» النبتة لمسافة تصل إلى 750 متراً بعيداً عن الأم.

يعلق جون بانيل، عالم الأحياء التطورية في جامعة لوزان بسويسرا، واصفاً الموقف: «الطيور تقع في الفخ وتنشر البصيلات بسبب شبهها بالثمار التي اعتادت أكلها». والمحزن في القصة بالنسبة للطائر هو أنه لا يحصل على أي مقابل؛ فلا سكر ولا طاقة، بل مجرد حمولة ثقيلة ينقلها مجاناً.
تطور المكر النباتي
يُعد هذا الاكتشاف إضافة نوعية لمفهوم المحاكاة في الطبيعة. يشير بيدرو جوردانو، عالم البيئة من المجلس الإسباني للبحوث، إلى أن النتائج توسع مفهوم المحاكاة ليشمل «الأجزاء غير التكاثرية» في النبات. فبينما عرفنا سابقاً نباتات تخدع الحشرات بزهور تفوح منها رائحة النمل الميت، أو كروم تغير شكل أوراقها، نرى هنا نبتة تحوّل أعضاء استنساخها إلى طُعم بصري متقن.
هذا «التحايل» يمنح نبتة اليام ميزة استراتيجية هائلة؛ فهي تضمن انتشاراً واسعاً لنسخها الجينية في بيئات جديدة، مما يشكل تأميناً لبقائها في حال تغيرت الظروف البيئية المحلية. وكما أشار كينجي سويتسوجو من جامعة كوبي اليابانية، فإن هذا التكتيك يمثل «حلاً تطورياً ذكياً» للالتفاف على قيود التكاثر اللاجنسي.
تذكرنا هذه الدراسة بأن الطبيعة ليست دائماً كريمة أو عادلة بمقاييسنا البشرية، بل هي مسرح معقد حيث قد يكون المظهر الجذاب مجرد غلاف فارغ، وحيث الكذب البصري قد يكون السبيل الوحيد للنجاة.