Table of Contents
لطالما نظرنا إلى الفضاء المحيط بنظامنا الشمسي على أنه فراغ شاسع وموحش، لكن الحقيقة التي تتكشف أمامنا اليوم ترسم مشهداً مختلفاً تماماً. فنحن في الواقع محاطون بـ “جدران” هائلة من الغاز والغبار، تشكل هياكل كونية عملاقة لم نكن ندرك وجودها من قبل. في كشف فلكي مثير، أماط العلماء اللثام عن خريطة جديدة تظهر سبع سحب غازية فائقة (Superclouds) تتخذ أشكالاً خيطية متموجة وتطوّق مجموعتنا الشمسية، مما يعيد تشكيل فهمنا للهندسة المعمارية لمجرتنا، درب التبانة.
سباعية العمالقة المحيطة بنا
لم يكن هذا الاكتشاف وليد الصدفة، بل هو ثمرة جهود حثيثة لرسم خرائط ثلاثية الأبعاد للغبار الكوني. فقد حدد الفلكيون سبعة هياكل عملاقة – خمسة منها تكتشف لأول مرة – تصطف بشكل شبه متوازٍ مع بعضها البعض. المثير في هذه التشكيلات ليس فقط حجمها الهائل، بل سلوكها الهندسي؛ إذ تتمايل صعوداً وهبوطاً في حركة موجية عبر قرص المجرة، باستثناء سحابة واحدة تُعرف بـ “الشق” (The Split).
ويعلق بروس إلميغرين، عالم الفيزياء الفلكية المستقل والخبير في دراسات السحب الفائقة، على هذا الإنجاز قائلاً: “لقد عرفنا أخيراً بنية السحب النجمية المجاورة لنا”. ويشير إلميغرين إلى التحدي التاريخي الذي واجه الفلكيين في رؤية ما هو “محلي” جداً بالنسبة للنظام الشمسي، حيث كانت التقنيات السابقة تؤدي غالباً إلى تداخل الهياكل القريبة وصعوبة تمييزها.
من “موجة رادكليف” إلى الخريطة الكاملة
يأتي هذا العمل استكمالاً لاكتشاف سابق زلزل الأوساط الفلكية عام 2020، حينما تم رصد “موجة رادكليف” (Radcliffe Wave)، وهي هيكل غازي عملاق يتموج فوق وتحت مستوى المجرة ويمر على مسافة قريبة نسبياً (ألف سنة ضوئية) من نظامنا الشمسي. ولكن الدراسة الجديدة، التي قادتها عالمة الفيزياء الفلكية ليلي كورمان من جامعة فيينا، وسعت النطاق بشكل كبير.

استخدم فريق البحث بيانات دقيقة من مسبار الفضاء “غايا” (Gaia) لإنشاء خريطة للغبار بين النجمي تغطي مساحة تصل إلى 50 مليون سنة ضوئية مربعة حول الشمس. لاحظت كورمان وفريقها وجود هياكل كبيرة الحجم بالعين المجردة داخل البيانات، وللتحقق من طبيعتها، قاموا بتحويل خريطة الغبار إلى خريطة تتبع كثافة الهيدروجين، العنصر الأكثر شيوعاً في الفضاء بين النجوم.
أمهات النجوم ومصانع الولادة
كشف التحليل عن وجود 40 سحابة صغيرة، قادت دراسة مواقعها واتجاهاتها الفريقَ للربط بينها، مما أظهر وجود سبع سلاسل عملاقة من الغاز. تمتد هذه السحب لمسافات تتراوح بين 3000 و8000 سنة ضوئية، وتحتوي على كتل هائلة تعادل ما بين 800 ألف إلى 3.5 مليون ضعف كتلة شمسنا. وتُعد هذه التقديرات حداً أدنى، إذ يرجح الباحثون أن هذه “الخيوط” الغازية قد تمتد إلى ما وراء حدود الخريطة الحالية.
وتكتسب هذه السحب أهمية قصوى لكونها الحاضنات الرئيسية للنجوم في جوارنا المجري. فمعظم “مشاتل” النجوم المعروفة تقع داخل هذه السحب الفائقة، وتحديداً على طول محاورها المركزية. ويصف جواو ألفيس، عالم الفيزياء الفلكية بجامعة فيينا، هذه العلاقة بأن السحب الفائقة هي بمثابة “الأمهات” لسحب أصغر وأكثر كثافة تنهار جاذبياً لتلد النجوم الجديدة.
ألغاز بانتظار الحل
رغم وضوح الصورة الآن أكثر من أي وقت مضى، إلا أن هذا الاكتشاف يفتح الباب أمام أسئلة أعمق. لماذا تتخذ هذه السحب شكلاً متموجاً؟ وكيف تنظم كثافتها المتوسطة التي تبدو متطابقة بشكل مدهش رغم الاختلافات المحلية؟ يعتقد الباحثون أن هذه السحب قد تكون تشكلت من مواد قذفتها الأذرع الحلزونية لمجرة درب التبانة، لكن الآلية الدقيقة لا تزال قيد البحث.
إننا أمام حقبة جديدة من فهم “جغرافية” الكون المحيط بنا. وكما يؤكد إلميغرين، فإن هذه القائمة الجديدة للسحب الفائقة وخصائصها تقدم “دليلاً مثيراً على أن هناك صورة ضخمة لا تزال بانتظار من يكتشف تفاصيلها الكاملة”.