هيئة التحرير – (ذا نيو ستيسمان) 10/12/2020
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
طوال فترة انتشار الوباء، تخللت ومضات عن مجتمع أفضل أستار الظلام.
- * *
ما الذي يصنع مجتمعًا جيدًا؟ لقد أجبرنا هذا العام، أكثر من أي عام آخر في التاريخ الحديث، على معاودة التفاوض مع هذا السؤال. إن جائحة “كوفيد-19” هو أخطر أزمة واجهناها منذ الحرب العالمية الثانية. وكانت تشكل -وما تزال- اختبارًا كبيرًا للمرونة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والأخلاقية.
على الرغم من أن العلماء واختصاصيي الأوبئة كانوا يحذرون منذ فترة طويلة من تهديد الأمراض والأوبئة الجديدة حيوانية المنشأ، إلا أن صانعي السياسات في المملكة المتحدة كانوا منشغلين بالتعامل مع تحديات أخرى، ليس أقلها خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. ومع انتشار الفيروس بسرعة مميتة في الأشهر الأولى من العام 2020، فرضت الدول عمليات إغلاق غير عادية في محاولة لتقليل الضغط على أنظمتها الصحية وإنقاذ أرواح مواطنيها. لكن التدخل الحكومي جاء في العديد من الدول الأوروبية متأخرًا جدًا -أو أنه لم يكن كافياً لمنع ارتفاع حصيلة القتلى بشكل غير عادي. ومع انكماش الاقتصادات بأسرع معدل منذ “الكساد العظيم”، تعرضت الوظائف وسبل العيش للأضرار والتدمير.
ما الدروس المستفادة من هذا العام العابس المشحون بالقلق؟ في المملكة المتحدة، كشفت الأشهر الأولى من الأزمة عن كثير من مواطن الضعف، لكنها كشفت أيضًا عن احتياطيات من القوة الخفية. في غضون أربعة أيام فقط، سجل أكثر من 750.000 شخص للتطوع في هيئة الصحة الوطنية في المملكة المتحدة بعد أن تقدمت الحكومة بمناشدات للدعم. ولمدة عشرة أسابيع، في الساعة 8 مساءً من كل يوم خميس، أشاد الكثير منا بالعاملين في قطاع الصحة وفي الخطوط الأمامية لمحاربة الوباء. وقد توحد سكان هذه الجزر في تضامنهم ضد فيروس لا يحترم الحدود. ربما ينبثق مجتمع أفضل من ويلات هذا الوباء؟
لكنّ هذا الشعور المبكر بالأمل لم يدم طويلاً. فقد أدى انتهاك شخصيات عامة بارزة قواعد الإغلاق إلى الإضرار بالثقة. وأصبحت نوبات التفاخر التي يعرضها رئيس الوزراء ووعوده الفارغة سبباً للإرهاق. وأدى التباين في القواعد والدعم بين مختلف دول ومناطق المملكة المتحدة إلى تضخيم التصدعات في دولة الاتحاد متعدد الجنسيات. وأرهق طول أمد الوباء -والتباعد الاجتماعي الذي فرضه- حتى أكثر المواطنين مرونة وقدرة على التحمُّل.
لا تكمن المعاناة الإنسانية التي سبّبها فيروس “كوفيد-19” في الوفيات والمرض اللذين تسبب فيهما فحسب. إنها تكمن أيضاً في ارتفاع أعداد الوفيات التي كان يمكن تجنبها بسبب النوبات القلبية والسكتات الدماغية والسرطان، والتي جاءت في أعقاب أول إغلاق وطني. وتكمن هذه المعاناة في زيادة الأمراض العقلية والشعور بالوحدة، حيث حُرم الكثير من الناس من شبكات الدعم التقليدية. وهي تكمن في ضياع إمكانات الأطفال الذين أُجبروا على التغيب عن المدرسة لمدة ستة أشهر.
ومع ذلك، طوال فترة الأزمة، تخللت ومضات من ملامح مجتمع أفضل أستار الظلام. قاد ماركوس راشفورد، لاعب نادي مانشستر يونايتد ومنتخب إنجلترا البالغ من العمر 23 عامًا، حملة ملهمة -وناجحة- لإجبار الحكومة على تقديم وجبات مجانية لأطفال العائلات الفقيرة خلال العطلات المدرسية. وتعاون علماؤنا بينما يعملون بلا كلل على فهم المرض واحتوائه. وبعد أعوام من التخفيضات في الإنفاق، أعادت أزمة فيروس “كوفيد-19” تأكيد قيمة الضمان الاجتماعي كأحد أشكال التأمين الجماعي ضد مخاطر الحياة: اعتلال الصحة، والبطالة، والعجز، وموت الشريك. وبدا أن عصر الفردية المفرطة يقترب من نهايته.
كما لاحظ كبير الحاخامات السابق جوناثان ساكس، الذي توفي في 7 تشرين الثاني (نوفمبر)، كاتباً في هذه المجلة عن الوباء: “نادرًا ما كانت أوضح حقيقة ما نخسره بالتركيز على ‘أنا’، وما نكسبه من خلال الاهتمام بـ‘نحن’. عندما ينتهي كل هذا، سوف يخرج المجتمع بإحساس أقوى بـ‘نحن’”.
إذا كان فيروس كورونا قد كشف عن مواطن ظلم جديدة، فقد زاد أيضًا من رغبتنا في معالجتها. ولعل أفضل دفاع يمكن للمجتمعات أن تحشده ضد الوباء هو التعاون والتضامن البشري. وقد تم تطوير لقاح “فايزر/ بيونتيك” لمكافحة “كوفيد-19” الذي صرحت المملكة المتحدة باستخدامه في 2 كانون الأول (ديسمبر) على يد زوجين ألمانيين-تركيين، بتمويل من شركة الأدوية الأميركية العملاقة “فايزر”، ويتم تصنيعه بشكل أساسي في بلجيكا. وسوف يثبت مثل هذا التعاون عبر الحدود أنه ضروري ضد التهديدات الوجودية التي تخيم على آفاق هذا القرن، مثل الانهيار البيئي ومقاومة مضادات الميكروبات.
لقد أظهر الوباء بعضاً من أسوأ دوافع الإنسانية: الغوغائية والشوفينية والمجد الباطل. لكنه أظهر أيضًا بعضًا من أفضلها: العطف، والإيثار، وسعة الحيلة. ولا يسعنا سوى أن نتمنى لجميع قرائنا عيد ميلاد سعيداً وكل ما هو أفضل في العام الجديد.
*نشرت هذه المقالة الافتتاحية تحت عنوان: Hope in the age of Covid
Source: alghad.com