عمان- تشهد الجزائر، اليوم الأحد، استفتاءً حول تعديل دستوري، في يوم يحمل رمزية تاريخية وهو الذكرى الـ66 لاندلاع الثورة التحريرية ضد الاستعمار الفرنسي عام 1954، وتقول السلطات إن اختيار هذا التاريخ لم يكن “عبثيا” بل رسالة حول تمسك الجزائريين بماضيهم.

ودُعي أكثر من 24 مليون جزائري للإدلاء بأصواتهم على مشروع تعديل دستوري طرحه الرئيس عبد المجيد تبون بعد عام من وصوله الحكم، على استفتاء شعبي، ويقول إنه “حجر الزاوية لبناء جزائر جديدة”.

وإلى جانب الظروف الصحية الاستثنائية التي يجرى فيها هذا الاستفتاء حيث وضع بروتوكول صحي لحماية الناخبين خلاله، فإنه ينظم في يوم تاريخي وهو الذكرى الـ66 لاندلاع الثورة التحريرية ضد الاستعمار الفرنسي في أول نوفمبر/ تشرين الثاني 1954 وتحت شعار “نوفمبر 1954:التحرير.. نوفمبر 2020: التغيير”.

ومنذ وصوله الحكم في انتخابات 12 ديسمبر/كانون الأول 2019 خلفا لسلفه عبد العزيز بوتفليقة الذي أطاحت به انتفاضة شعبية غير مسبوقة يقول تبون إنه يريد بناء دولة “نوفمبرية” وهي جمهورية ديمقراطية في إطار المبادىء الإسلامية نسبة إلى ما جاء في بيان إعلان ثورة 1954.

ودأبت الجزائر على تنظيم كافة استحقاقاتها الانتخابية السابقة في أيام الخميس، لكن هذه المرة قررت السلطات تنظيم اقتراع الاستفتاء الدستوري يوم الأحد المصادف غرة نوفمبر/تشرين الثاني، وهو إجازة رسمية في البلاد.

ولا يخفي المسؤولون في البلاد، وفي مقدمتهم الرئيس عبد المجيد تبون، وجود هدف سياسي من اختيار هذا اليوم التاريخي لإجراء الاستفتاء، لكن معارضين يقولون إنه استغلال لرمزية هذه الذكرى من قبل النظام.

وفي 5 أكتوبر/تشرين الأول المنصرم، قال الرئيس الجزائري، في رسالة للمشاركين في ملتقى دولي بالعاصمة، إن “اختيار هذا التاريخ موعدا للاستفتاء هو رسالة مفادها أن الشعب الجزائري واحد موحد، ووحدته قيمه الوطنية والدينية التي جسدتها مواقف ثورة التحرير الخالدة وأولها بيان أول نوفمبر 1954”.

من جهتها، أكدت افتتاحية “مجلة الجيش”، الناطقة باسم المؤسسة العسكرية في عددها لشهر أكتوبر/ تشرين الأول، إن “رمزية” اختيار أول نوفمبر لإجراء هذه الانتخابات تحمل دلالات عدة.

وسردت المجلة ضمن تلك الدلالات “إصرار رئيس الجمهورية على جعل هذا اليوم المشهود انطلاقة حقيقية لبناء جزائر جديدة متحررة من كل المظالم والمفاسد والسلبيات، كما أنه يمثل الانطلاقة الحقيقية لبناء دولة قوية مهابة، وبالتالي سيكون الاستفتاء على الدستور أولى لبنات التغيير الجذري الذي طالب به الشعب”.

أما سليمان شنين رئيس المجلس الشعبي الوطني (الغرفة الأولى للبرلمان) فقال في كلمة خلال جلسة برلمانية في سبتمبر/أيلول الماضي إن اختيار تاريخ الاستفتاء “يؤكد أن الانطلاقة والإلهام والمرجعية لا يمكن أن تبتعد عن هذا التاريخ الذي صنع مجد الشعب الجزائري وعزته، ومكنه من التحدي وفرض خياراته على أعتى القوى الإستعمارية وأوحشها” في إشارة إلى فرنسا الاستعمارية.

من جهته، قال محمد شرفي، رئيس السلطة المستقلة للانتخابات في تصريحات سابقة لوسائل إعلام محلية، إن “اختيار أول نوفمبر دلالته اننا بصدد بناء جزائر جديدة وهذا التاريخ بالنسبة للجزائر يعني التغيير الجذري بطرد الاستعمار الفرنسي الغاشم وبالتالي تأكيد على عزم رئيس الجمهورية القطيعة مع الممارسات السابقة في الحكم”.

وطالما كان هذا التاريخ محطة لتجدد جدل تاريخي بين الجزائر وفرنسا حول ما يسمى ملفات الذاكرة المرتبطة بالاستعمار، التي ظلت نقطة خلاف بين البلدين.

وتطالب الجزائر باعتذار رسمي من فرنسا عن جرائم الاستعمار وحل ملفات مرتبطة به مثل الأرشيف وتعويض ضحايا تجارب نووية في الصحراء فيما تدعو باريس إلى طي صفحة الماضي والتوجه نحو المستقبل‎.

ويرى المؤرخ الجزائري عامر رخيلة أنّه لو تزامن الاستفتاء على الدستور بأول نوفمبر محتوى وشكلا بتضمنه قيم نوفمبر 1954 بإقامة دولة ديمقراطية واجتماعية ذات سيادة في إطار المبادئ الإسلامية فهذا لديه رمزية كبيرة.

وقال رخيلة لـ”الأناضول”: “الاستفتاء يقترن بيوم أغر في تاريخ الجزائر وهو ذكرى اندلاع الثورة ضد الاستعمار الفرنسي، لكن ما أخشاه أنّ الاستفتاء على الدستور في هذا اليوم سينسي الأجيال ماضيها مستقبلا”.

واستطرد قائلا: “أخشى أن تجعل السلطة من أول نوفمبر يوما للاحتفال بالدستور مستقبلا على حساب الثورة التي مهدّت لاسترجاع السيادة الوطنية ونيل الاستقلال”.

ووفق المتحدث، فإن “خيار الاستفتاء في ذكرى أول نوفمبر يعدّ مسؤولية كبيرة”.

وتابع: “نتمنى أن تكون النوايا حسنة، ولا أشك في كلام وإرادة الرئيس عبد المجيد تبون باختيار هذا اليوم يوما للاستفتاء على الدستور”.

وتساءل رخيلة وهو محام أيضا في الصدد: “إذا صوّت الشعب بـ(لا) على المشروع، فهل معناه أنّه قال (لا) لأول نوفمبر؟”.

وأضاف: “وإذا تم التأثير على الشعب برمزية نوفمبر؛ فيمكن القول أنّ خيار الاستفتاء طاله بعض الاحتيال على مستوى الناخب بربطه بذكرى اندلاع الثورة التحريرية”.

من جهته، يرى محمد مسلم الصحفي الجزائري المختص في التاريخ والسياسة أنّ “تزامن الاستفتاء الشعبي على الدستور مع أول نوفمبر ذكرى اندلاع الثورة يعطي الإنطباع بكون هذه المحطة حاسمة لبداية التغيير الحقيقي”.

وقال مسلم لـ”الأناضول” إنّ “هذا الانطباع هو اعتبار يوم الاستفتاء مرحلة حاسمة لاستقرار البلاد ووضعها على السكة الصحيحة كون أول نوفمبر 1954 كان محطة مهمة وأساسية أدتّ إلى استقلال البلاد عام 1962”.

وحسب المتحدث فإن “الاستفتاء على الدستور الأحد تزامنا وأول نوفمبر يعدّ محطة ثانية لتصحيح الاختلال الذي وقع في المنظومة السابقة (مرحلة الرئيس الأسبق عبد العزيز بوتفليقة 1999-2019) بعد المحطة الأولى وهي الانتفاضة الشعبية لـ 22 فبراير/شباط 2019 التي أطاحت بنظامه”.-(الأناضول)