د. طارق ليساوي
حاولنا في مقال “الانتخابات المغربية بين الكليبتوقراطية و قانون جريشام…” تشخيص المشهد السياسي المغربي بمناسبة انطلاق الحملة الانتخابية لانتخابات 2021 و قلنا بأن المشهد سريالي، ففي الوقت الذي تعاني فيه البلاد أزمة صحية و اقتصادية و اجتماعية خانقة، بل و تعاني حصار و هجوم دبلوماسي و إعلامي غير مسبوق من قبل بلدان الجوار في الشرق و الشمال، نجد أن النظام السياسي المغربي يقدم على إجراء الانتخابات في موعدها، و الاستمرار في تدوير نفس الوجوه السياسية ، بل إن أغلب هذه الوجوه التي تحملت مسؤولية إدارة الشأن العام محليا أو وطنيا تحوم عليها شبهات فساد، و بعضها متابع في قضايا اختلاس المال العام، و لازالت القضايا تنظر أما المحاكم المختصة، و بعضها متهم بالتلاعب في سعر البنزين و اختلاس ملايير الدراهم من جيوب المغاربة…و هذا ما يدفعنا إلى طرح الأسئلة التالية: أليس من العبث استنزاف مالية الدولة في عمليات انتخابية مستهلكة ومكشوفة…!!و ماهي القيمة المضافة لأحزاب “الباكور والزعتر” في ظل وجود ما يعرف ب “الميثاق الوطني من أجل التنمية”..!!ألم يكن من الأجدر تنظيم استفتاء شعبي بشأن الميثاق المذكور، باعتباره “إطارا مرجعيا، من المبادئ والأولويات التنموية، وتعاقدا اقتصاديا واجتماعيا”..!!ألم يكن من الأجدى صرف ملايير اقتراع 8 شتنبر في تنظيم حملات توعوية وتكوينية وتأطيرية للنُخب الوطنية والجهوية بخصوص إجراءات وآليات تنزيل هذا الميثاق..!!
ومقالي هذا محاولة لنقد الخطابات الديماغوجية و محاولات الاستحمار الممنهج لجمهور الناخبين، و لدي ملاحظتين في هذا الشأن، و قبل سردهما من واجبي التأكيد بأني غير منتمي سياسيا لأي حزب أو جماعة، لكني منتمي كأكاديمي و إعلامي لهذا الوطن، و مؤمن بروح حراك 20 فبراير، هذا الحراك الذي كان لي شرف أن أكون أحد مناضليه و داعميه إعلاميا و نضاليا، و بالتالي فإن موقفي السياسي هو مع مقاطعة الانتخابات و العزوف عن المشاركة ..و ملاحظاتي هي :
أولا- من الخطأ تحميل حزب العدالة والتنمية المسؤولية لوحده عن توالي السنوات العجاف:
يلاحظ قبل و أثناء انطلاق الحملة الانتخابية أن هناك هجوم شرس على حزب العدالة والتنمية من طرف بعض القوى السياسية والأيديولوجية، و يقوم هذا الهجوم على “فكرة” مفادها أن هذا الحزب لم يفعل شيئا، ولم يحقق أي مكتسب للبلاد ولا للعباد، وأنه أدخل البلاد في دورة من الأزمات طيلة ولايتين..
و الواقع أني منكب منذ فترة على تأليف ثلاث كتب، الكتاب الأول سينشر قريبا و و الثاني و الثالث لم أنتهي بعد من تجميعهما، و فكرة الكتاب الأول تقوم على تحليل وضع المغرب التنموي خلال هذه الولاية التشريعية المنتهية، و أرختها منذ انطلاق حراك الريف عام 2016…
بداية هذه الولاية توجت بحدثين شهيرين طحن محسن فكري و البلوكاج الحكومي الذي إنتهى بإعفاء السيد بنكيران من تشكيل الحكومة و تعيين السيد سعد الدين العثماني خلفا له ، في خرق واضح للمقتضيات الدستورية و للعرف السياسي المعمول به في أغلب النظم البرلمانية و شبه البرلمانية..
و من سيقرأ الكتاب أو سبق له قراءة مقالاتي الدورية بجريدة رأي اليوم اللندنية أو بموقع لكم المغربي، سيلاحظ أني انتقد بشدة الأداء الحكومي لحزب العدالة و التنمية خلال ولايتين متتاليتين.. لكن من الخطأ تحميل هذا الحزب و أمينه العام مسؤولية توالي السنوات العجاف و ذلك للأسباب التالية :
لم يتولى هذا الحزب إدارة الشأن العام فلوحده، بل تشكلت الحكومة بتحالف بين الأحزاب التالية حزب التجمع الوطني للأحرار، حزب الاتحاد الدستوري، حزب الحركة الشعبية، حزب الاتحاد الاشتراكي، حزبي الاستقلال (لكنه انسحب في الولاية الأولى)، وحزب التقدم والاشتراكية (ثم انسحب في الولاية الثانية) فضلا عن حزب التكنوقراط و هؤلاء يمثلون القصر و يتولون إدارة الوزارات السيادية الخارجية الداخلية و الأوقاف…
لذلك فالمنطق السليم يقتضي أن يتحمل جميع المشاركين في الحكومة مسؤولية الفشل أما تحميل المسؤولية لحزب العدالة والتنمية دون الباقي، فهو بنظرنا محاولة لاستحمار و استغفال جمهور الناخبيين المغاربة…
الملاحظة الثانية: الحكومة لها دور شكلي و دورها تجسيد إرادة القصر:
مركز السلطة و صناعة القرار الحقيقي في المغرب ليست بيد الحكومة، فهي لا تملك الصلاحيات والسلطة الحقيقية لتغيير الأوضاع المجتمعية المختلفة، و ليس لها كامل حرية التصرف واتخاذ القرار داخليا وخارجيا…فالوزارات الوازنة و المؤثرة بيد وزراء تكنوقراط ، فمن سيحاسب هؤلاء التكنوقراط الذين لا وجود لهم في الدول الديموقراطية…
و للأوضح ذلك، ماهي الأجوبة التي تقدمها أحزاب الحكومة في ما يخص تدهور العلاقات الدبلوماسية مع الجار الجزائر و فيما قبل مع إسبانيا، ماهي برامجهم لخلق جوار جغرافي ملائم للتنمية..؟ ما موقفهم من اعتقال نشطاء حراك الريف و جرادة و اعتقال أصحاب الرأي و التضييق على حرية الرأي و التعبير..؟
أيها السادة، المغرب أمام منعطف تاريخي خطير ردة حقوقية، وتراجع عن المكتسبات التي إعترفت بها الدولة المغربية بعد حراك 2011، تدهور إقتصادي و أزمة إقتصادية خانقة مؤشراتها ارتفاع نسب البطالة و الفقر ، و يكفي كمؤشر لوضع المغرب إقدام الشباب المغربي على ركوب قوارب الموت هروبا من بلاده و مشهد سبتة ليس ببعيد عن الأذهان..
علينا أن نقر بأن الحكومات السابقة و الحالية و القادمة لا تملك من الأمر شيء و برامج الأحزاب مجرد هذر للوقت و للموارد، فكافة الاحزاب ال 32 المشاركة اليوم في مهرجان الانتخابات لا برنامج لهم:” مجرد رموز وقشور موز…” ، لأن برنامج الحكومات الثلاث القادمة تم تسطيره واعتماده سلفاً تحت إسم ” الميثاق الوطني من أجل التنمية ( 2021 / 2035) …
فبناء مغرب المستقبل و إخراج البلاد من أزماتها الداخلية و الخارجية، لا يمر قطعا من بوابة الانتخابات بمفهومها الحالي ، و إنما المدخل بنظرنا هو القطيعة مع النموذج المعتمد منذ الاستقلال في تدبير قضايا الوطن مركزيا و جهويا ، و إبعاد الإدارة البيروقراطية و الأسلوب الأمني عن إدارة الشأن التنموي. فمحاربة الفقر و البطالة و الهشاشة الاجتماعية لا تتحقق باستعمال “الهراوة” و القبضة الأمنية، و تكميم الأفواه ، كما لا تتحقق بالشعارات الانتخابية ، و إنما تتحقق بتنفيذ إصلاحات جذرية وجادة ..
وفي هذه المرحلة و حتى لا نوصف بأننا عدميين و على عيوننا غشاوة و لا نرى إنجازات “مغرب الاستثناء” الذي لا نراه إلا في وسائل الإعلام العمومية ، يمكنني كأحد خبراء التنمية و خاصة بالصين و شرق أسيا ، المساهمة في صياغة نموذج تنموي حقيقي و جاد ، دون الحاجة لأزيد من 32 حزب و برنامج للإصلاح ..و دون الحاجة لهذر المال العام في دعم و تنظيم انتخابات لا فائدة منها، فالانتخابات في بلد غالبية شعبه يتنفس تحت الماء، أقرب ما تكون لانتزاع الاعترافات تحت التعذيب.. فالركن الأساس في البناء الديموقراطي هو احترام حرية الرأي والتعبير و تصفير السجون من معتقلي الاحتجاجات السلمية ورد الاعتبار لسلطة النقد والمساءلة.. وبعد ذلك لكل حادث حديث، ف “الحكم على الشيء فرع عن تصوره”.. و تفاديا للإطالة سأحاول في مقال موالي إن شاء الله تعالى شرح وجهة نظرنا بتفصيل … والله غالب على أمره و لكن أكثر الناس لا يعلمون..
*إعلامي وأكاديمي مغربي متخصص في الاقتصاد الصيني والشرق آسيوي، أستاذ العلوم السياسية والسياسات العامة..
Source: Raialyoum.com