الانسحاب الاميركي من الشرق الاوسط العوامل الايديلوجية واوهام القوة

  • عبد الجليل الزبيدي

 لذات الاسباب التي ادت الى انحسار النفوذ البريطاني من آسيا ومنطقة الخليج والعراق , ذاتها هي التي تدفع الولايات المتحدة اليوم الى سحب نفوذها من  العديد من الدول ولاسيما الشرق الاوسط ومنطقة الخليج .

فالانسحاب البريطاني من هذه المناطق ,كانت بمثابة رد فعل ومعالجة وتدارك استراتيجي لفشل بريطانيا في تحصين شعوب الشرق من بروز التيارات القومية والوطنية والثورية والتي تمظهرت على شكل احزاب ومنظمات قادت الشعوب الى تظاهرات مناهضة للاستعمار البريطاني وتتوجت بتاسيس انظمة رادكالية وتقدمية .

وقد فشلت بريطانيا ثقافيا وايديلوجيا في تسويق نفوذها والذي بررته على شكل انتداب سياسي وثقافي ,تنافر ايدلوجيا مع موروث الشرق الاخلاقي والمعنوي .

وهذا الفشل البريطاني مرد سببان : الاول عدم نجاعة الستارالحديدي الذي انهار وتصدع في عدد من بواباته المطلة على عالم الجنوب.

والثاني : ظهور عوامل مضادة من داخل المؤسسة الدينية الاسلامية التقليدية بنشوء احزاب ومنظمات اسلامية ثورية , بعد ان راهن المحور الغربي على المنهج السلفي وتفرعاته , كاداة فقهية تقي الشعوب المسلمة من المد الشيوعي .

وفي المحصلة كان الخزين الاخلاقي والمعنوي والقيمي للشرق العامل الرئيسي في وضع الجدران امام تطلعات بريطانيا لابقاء نفوذها حيث لا تغيب عنه الشمس .

اليوم الولايات المتحدة الاميركية تنسحب من عالمنا لذات الاسباب بالاضافة الى المتغيرات الكبيرة على مستوى الصراع الغربي مع القوى الاقتصادية الناشئة في الشرق وما يستتبع ذلك من تحديات تواجه فكرة الزعامة الاحادية الاميركية للعالم .

وأقر الرئيس الاميركي السابق دونالد ترامب بقوله (( اننا لسنا وحدنا نعيش في هذا العالم )) وذلك في اعتراف يدحض تماما ما قاله الرئيس الاسبق دونالد ريغان في ثمانينيات القرن المنصرم بقوله (( الاذكياء وحدهم لهم الحق بالعيش في هذا العالم ونحن الاذكى ..)) .

وفي حقبة ريغان كان الغرور الاميركي في ذروته  بعد اطلاقه مشروع حرب النجوم ,وعلى هذا الاساس من تصورات العظمة , كتب فرانسيس فوكوياما عن نهاية التاريخ معلنا انتصار الراسمالية وان القرن  الحادي والعشرين سيكون اميركيا بامتياز وذلك بعد هيمنة الولايات المتحدة على منابع النفط عقب انتهاء حرب الخليج الثانية وايضا انهيار جدار برلين وتوسع العالم الغربي الاوروبي نحو حدود روسيا ومعه توسع حلف الناتو ..

 وفي الحقيقة ان مقولة (القرن الحادي والعشرين الاميركي) ليست من صنع فوكوياما ,اذ سبقها اعلان الرئيس الاميركي جورج بوش الاب في قمة الامم المتحدة عام 1991 بانه ضَمِنَ بقاء مصادر الطاقة لصالح الولايات المتحدة لغايةعام 2100 .

وقبل ذلك بسنوات قليلة , كانت الولايات المتحدة قد ابرمت مع الصين اتفاقية تسوية شاملة واعتقدت انها ومقابل منح الصين التكلنوجيا المتقدمة في الصناعة انها استطاعت تحييد الصين عن روسيا وعن الصراع الايديلوجي مع الغرب .

كذك اعتقدت ان فرضها سياسة الاحتواء المزوج في حقبة التسعينيات ضد كل من العراق وايران من شانه ان يؤمن مناخا مواتيا لتكريس الهيمنة الاميركية واحتلال مناطق الفراغ التي من المحتمل ان تشغلها القوى الكبرى الناشئة ولاسيما روسيا والصين .

وعلى الرغم من وقوع هجمات الحادي عشر من سبتمبر ,كونها صفعة عنيفة للغرور والكبرياء الاميركي , الا ان البعض في اروقة القرار في واشنطن اعتقد ان الفرصة مواتية لتعزيز النفوذ والاحادية عبر استغلال ردود الفعل لاغراض التوسع والهيمنة , فحدث ما حدث باحتلال الولايات المتحدة لكل من افغانستان والعراق .

وبالفعل حرصت الولايات المتحدة على اعطاء تحركاتها العسكرية جانبا من استعراض القوة لتعويض شعور الهزيمة الناجم عن هجمات سبتمبر , مع ان المقارنة الواقعية تؤكد ان كلا الاحتلالين وقعا في ذروة ضعف ممكنات القوة في كل من العراق وافغانستان وبالتالي فان ما جرى اعتباره انتصارا نوعيا واستراتيجيا للقوة الاميركية هو في الواقع استغلال لمناطق هشة ومضطربة تنعدم فيها ادنى فرص تكافؤ القدرات .

ومع مضي سنوات قليلة من الانتشاء الاميركي  بتحقيق الانتقام , وفيما واصل منظرو السياسة الاميركية الحديث عن عالم جديد وعن قوة احادية اميركية في الحرب على الارهاب وفي حماية العالم من التطرف .. بدت تظهر ملامح الحقيقة واخذ يظهر شيئا فشيئا ان ردود الفعل الاحتلالية تلك ,كانت الخطأ الاميركي الاستراتيجي الذي ستكون له تداعيات كبيرة على الركائز الفكرية لمبدأ الهيمنة والاحادية القطبية .

في عهد الرئيس ترامب , سادت رؤية واقعية ومادية تقوم على اساس حساب القرارات وفقا لمبدأ الربح والخسارة . وبالتزامن , اعلن الرئيس ترامب مرارا بان الولايات المتحة ليست شرطيا لفض النزاعات وان الشرق المتخم بالتعقيدات والصراعات, ما كان لنا ان نزج بالقوة الاميركية في تلك الاتونات التي انفقت عليها الخزانة الاميركية نحو سبعة تريليون دولار .

كان هذا التحول في النظرة الى مبدأ القوة في السياسة الخارجية  الاميركية, بداية لمراجعة شاملة للسياسة المتبعة في الشرق الاوسط , وذلك في وقت كانت الصين قد تخطت بعيدا الخطوط الحمرالاميركية على صعيد الاقتصاد وقوة الاقتصاد في العالم .

وهنا بدأت المراجعة وافضت الى كشف حقائق الفشل الذريع ولاسيما مآلات الفشل في كل من العراق وافغانستان  وذلك بعد 18 عاما من مقال كتبه جون بولتون واشار فيه الى ان العراق سيكون درة التاج الاميركي  وذلك بالمقارنة مع الهند التي اعتبرتها بريطانيا درة التاج الملكي .

 وفي ذورة هذا الحصاد ,ياتي الفشل الايديلوجي  حيث بدى واضحا ان اميركا لا تجلب قيم الحرية والديمقراطية وانها لم تصنع من بغداد وكابل , طوكيو وسيؤول ثانية , بل ان الاستعمارية الاميركية لم يكن في خططها ان تفعل ذلك وذلك بحكم تطور الصراعات والتباين الزمني والتباين في الاطر الثقافية والدينية والاجتماعية وطبيعة المكونات المجتمعية بين شعوب الشرق والشرق الاوسط .

ومع مرور الوقت صار واضحا للعالم ان التواجد الاميركي في افغانستان والعراق ومناطق اخرى ومنها دول الخليج ,لم ينتج الديمقراطية ولا الحريات  التي تشكل عماد الاستقرار السياسي للنظمة الحديثة , والواقع هو العكس حيث ادى التواجد الاميركي الى مزيد من الهشاشة واوجد مناطق الفراع  السياسي والايديلوجي , ما كشف جانبا اخر من العجز الاميركي الايدلوجي مقارنة بالشعارات التي رافقت غزة كلا البلدين .

واللافت في كل هذا هو ان التنافر الثقافي والفكري ,تجسد في الرفض الشعبي  للوجود الاميركي الذي بات ينظر اليه على انه عبئ ومدعاة عدم الاستقرار وسبب مباشر في فساد الانظمة والنخب السياسية .

وبالاضافة الى ان العشر سنوات الاخيرة شهدت عودة روسيا القوية الى المياه الدافئة في الشرق الاوسط ومعها تمدد الحزام والطريق ووصل مشارف الخليج . بات الاميركيون على قناعة راسخة في عهد الرئيس ترامب ومن ثم ادارة بايدن بان تجربتي افغانستان والعراق وكذلك خيبات الربيع العربي انها استثمارات خاسرة وانها كانت متاهات ضلت فيها القوة الاميركية وانشغلت خلالها عن تمدد حقيقي للاتحاد الروسي الذي يطرح اليوم مشروعات التسوية الامنية بين ضفتي الخليج ويؤسس للاستقرار في بلاد الشام .

والخلاصة المرة التي باتت امرا واقعا بالنسبة لمنظري السياسة الاميركية هي ان القوة الصينية العالمية والاقليمية بلغت مستوى من التحدي بحيث حولت بكين الانسحاب الاميركي المهزم من افغانستان الى فرصة انتصار عندما اعلنت الصين انضمام افغانستان الى حلقة الحزام والطريق .

باحث استراتيجي

Source: Raialyoum.com

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *