Table of Contents
في أعماق المحيط، حيث تتحول المدن المرجانية الملونة ببطء إلى مدن أشباح بيضاء، تدور معركة صامتة ضد وباء غامض لا يرحم. تخيل أن يستيقظ الغواصون يوماً ليجدوا أن الألوان الزاهية التي تميز الحياة البحرية قد اختفت، ولم يتبقَ سوى الهياكل العظمية الجرداء للكائنات التي كانت تنبض بالحياة بالأمس. هذا ليس سيناريو من فيلم خيال علمي، بل هو الواقع المرير الذي يفرضه “مرض فقدان الأنسجة” على الشعاب المرجانية. ولكن، وسط هذا المشهد القاتم، برز حليف غير متوقع من قلب الطبيعة نفسها: بكتيريا نافعة تم تجنيدها لتكون خط الدفاع الأخير.
الوباء الأبيض والعدو المجهول
منذ عام 2014، تواجه الشعاب المرجانية في فلوريدا ومنطقة الكاريبي تهديداً وجودياً يعرف باسم “مرض فقدان الأنسجة في الشعاب المرجانية الصلبة” (Stony Coral Tissue Loss Disease). يتميز هذا المرض بظهور آفات بيضاء تتوسع بسرعة لتفتك بالأنسجة الحية للبوليبات المرجانية، تاركة خلفها مجرد هيكل عظمي أبيض خالٍ من الحياة. ورغم خطورة الوضع، لا يزال المسبب الرئيسي لهذا المرض لغزاً يحير العلماء، وإن كانت الشكوك تحوم حول مسببات بكتيرية.

في مواجهة هذا الخطر، لجأ الباحثون في محطة سميثسونيان البحرية في فورت بيرس بفلوريدا إلى التفكير خارج الصندوق. فبينما يمكن للمضادات الحيوية أن تقدم حلاً سريعاً، إلا أنها تحمل مخاطر بيئية وتزيد من احتمالية تطور مقاومة لدى مسببات المرض، مما يجعل المشكلة أكثر تعقيداً في المستقبل. لذا، كان البحث عن حل مستدام أمراً حتمياً.
قوة الطبيعة: البحث عن “المعززات الحيوية”
بدلاً من محاربة الكيمياء بالكيمياء، قرر الفريق العلمي البحث عن حل بيولوجي. يوضح عالم الأحياء الدقيقة بليك أوشيجيما، الذي طور العلاج الجديد، أن الفريق لاحظ ظاهرة مثيرة للاهتمام: بعض أجزاء المرجان كانت تُظهر مقاومة طبيعية للعدوى ولا تصاب بالمرض رغم انتشاره حولها.
دفع هذا الاكتشاف العلماء إلى استزراع الميكروبات الموجودة على سطح هذه الشعاب المقاومة، ليجدوا ضالتهم في سلالة بكتيرية أطلقوا عليها اسم (McH1-7). هذه السلالة، التي تم عزلها من مرجان “النجم العظيم” (Montastraea cavernosa)، أثبتت قدرتها على إنتاج مركبات مضادة للبكتيريا وتحييد مسببات المرض، لتعمل بذلك كـ “معزز حيوي” (Probiotic) طبيعي.

تجربة ميدانية في قلب المحيط
انتقل الفريق من المختبر إلى قاع المحيط لاختبار هذا السلاح الجديد على 30 مستعمرة مصابة. استخدم الباحثون، بقيادة كيلي بيتس وفاليري بول، طريقتين مختلفتين لتطبيق العلاج. في الطريقة الأولى، قام الغواصون بتغليف المستعمرات المرجانية بأكياس بلاستيكية وحقنوا محلول البكتيريا النافعة بداخلها، تاركين المرجان يمتص العلاج لمدة ساعتين في بيئة معزولة نسبياً. أما الطريقة الثانية، فتضمنت وضع معجون يحتوي على البكتيريا مباشرة على الآفات المرضية دون تغليف.

بعد مراقبة دقيقة استمرت عامين ونصف العام، كانت النتائج مذهلة ولكنها تحمل تبايناً واضحاً. المستعمرات الثماني التي عولجت داخل الأكياس شهدت تباطؤاً كبيراً أو توقفاً تاماً لانتشار المرض، حيث انحصر تلف الأنسجة في حدود 7% فقط، مقارنة بـ 30% في المستعمرات التي لم تتلقَ العلاج. في المقابل، لم يُظهر المعجون المطبق مباشرة أي تأثير إيجابي يذكر، مما يشير إلى أهمية طريقة توصيل العلاج لضمان فعاليته.
بارقة أمل.. وحذر علمي واجب
رغم النتائج المشجعة التي نشرت في دورية Frontiers in Marine Science، تحذر الباحثة المشاركة فاليري بول من اعتبار هذا الاكتشاف “علاجاً سحرياً” نهائياً. فالتطبيق العملي لتقنية الأكياس تحت الماء يتطلب مجهوداً شاقاً ومعدات ثقيلة، مما يجعل توسيعه ليشمل مساحات شاسعة تحدياً لوجستياً كبيراً. كما أن الدراسة ركزت على نوع واحد من المرجان، بينما يهدد المرض أكثر من 30 نوعاً مختلفاً.
ومع ذلك، يرى أوشيجيما في هذه الدراسة “إثباتاً للمفهوم” (Proof of concept) طال انتظاره. ففكرة استخدام المعززات الحيوية للمرجان كانت مطروحة نظرياً لعقود، لكن هذا البحث هو أول دليل ملموس على نجاحها في البيئة البرية الطبيعية. إنها خطوة أولى تفتح الباب واسعاً أمام حقل جديد من الطب البيئي، قد يعيد كتابة مستقبل الشعاب المرجانية ويمنحها فرصة أخرى للنجاة.