Table of Contents
هل يُعقل أن يقرر شخص ما خوض سباق ماراثون لمسافة 42 كيلومتراً دون أن يركض متراً واحداً في تدريبات تمهيدية؟ الإجابة البديهية هي لا، لأن النتيجة ستكون انهياراً جسدياً مؤكداً. الغريب في الأمر أننا غالباً ما نتعامل مع العمليات الجراحية الكبرى بمنطق مغاير، رغم أنها تشكل صدمة فسيولوجية للجسم لا تقل قسوة عن الماراثون. لماذا إذن نذهب إلى غرف العمليات دون تحضير أجسادنا للصدمة التي ستواجهها؟
هذا التساؤل الجوهري هو حجر الزاوية لمفهوم طبي صاعد يُعرف بـ “التأهيل المسبق” (Prehabilitation)، والذي يهدف إلى إعداد الجسم عبر التمارين الرياضية، والتغذية السليمة، والتدريب الذهني ليكون أقدر على تحمل مبضع الجراح. وفي حين أثبتت الدراسات السابقة جدوى هذا النهج، فإن بحثاً جديداً نُشر في دورية JAMA Surgery يذهب خطوة أبعد: البرامج المصممة خصيصاً لكل مريض (“تفصيل” حسب الحالة) تحقق نتائج مذهلة في كبح جماح الجهاز المناعي وتقليل المضاعفات، مقارنة بالبرامج العامة الموحدة.
وداعاً للقوالب الجاهزة: تجربة ستانفورد
تقليدياً، تتبع برامج التأهيل المسبق نهج “النموذج الواحد للجميع”، حيث يتلقى المرضى نصائح عامة. لكن فريقاً بحثياً من جامعة ستانفورد بقيادة عالم المناعة برايس جوديلير (Brice Gaudillière) أراد اختبار فرضية مختلفة: هل يمكن لتخصيص البرنامج ليناسب حياة المريض وتفضيلاته أن يحدث فرقاً بيولوجياً؟
لإجابة هذا السؤال، شملت الدراسة 54 مريضاً بالغاً يستعدون لعمليات جراحية كبرى (معظمها في البطن). تم تقسيمهم إلى مجموعتين: الأولى تلقت كُتيباً إرشادياً عاماً يحتوي على تمارين ونصائح غذائية لاتباعها قبل أسبوعين إلى ستة أسابيع من الجراحة. أما المجموعة الثانية، فقد حظيت بتجربة “شخصية” بامتياز؛ حيث التقى المرضى بخبراء متخصصين مرتين أسبوعياً عن بُعد.
لم تكن هذه اللقاءات مجرد متابعة روتينية، بل كانت جلسات لتصميم نمط حياة؛ حيث ابتكر الخبراء وصفات طهي تعتمد على المكونات المتوفرة بالفعل في مطابخ المرضى، وصمموا تمارين رياضية تتناغم مع تفضيلاتهم الشخصية، مما ساعدهم على الالتزام بالروتين التدريبي.
إعادة ضبط الجهاز المناعي بالذكاء الاصطناعي
يكمن الجانب الأكثر إثارة في هذه الدراسة فيما حدث داخل دماء المرضى. فقد قام الباحثون بسحب عينات دم بعد انتهاء فترة التأهيل، واستخدموا تقنيات الذكاء الاصطناعي لرسم “خريطة” دقيقة للجهاز المناعي لكل مريض.

أظهرت الخرائط المناعية تغيرين جوهريين لدى المجموعة التي تلقت تدريباً مخصصاً. الأول هو انخفاض ملحوظ في الاستجابات المناعية المفرطة التي تؤدي عادة إلى مستويات عالية من الالتهاب بعد الجراحة. والثاني هو تراجع في نشاط نوع محدد من الخلايا التائية (T cells) المرتبطة بحدوث التدهور المعرفي والإدراكي بعد العمليات الجراحية.
ويشير الدكتور جوديلير إلى أن التأهيل المسبق يعمل بمثابة “عملية ضبط وتوليف” (Tuning) للجهاز المناعي قبل المعركة الجراحية، ليكون مستعداً للقيام بردة فعل فعالة ومنضبطة، بدلاً من الهيجان العشوائي الذي يضر الجسم أكثر مما ينفعه.
فعالية تضاهي الأدوية.. بلا أعراض جانبية
النتائج المخبرية انعكست بوضوح على أرض الواقع السريري. ففي المجموعة التي اتبعت النصائح العامة، عانى 11 مريضاً من مضاعفات ما بعد الجراحة تراوحت بين المتوسطة والشديدة. في المقابل، انخفض هذا العدد إلى 4 مرضى فقط في المجموعة التي تلقت البرنامج المخصص.
المثير للدهشة، وفقاً لجوديلير، أن تأثير هذا التأهيل المسبق المخصص كان قوياً لدرجة يمكن مقارنتها بتأثير العقاقير الطبية القوية (مثل الستيرويدات)، ولكن دون أي من الآثار الجانبية المزعجة التي تسببها تلك الأدوية. إنه تدخل طبي بيولوجي، ولكن أدواته هي الغذاء والحركة بدلاً من الأقراص والحقن.
نحو طب جراحي أكثر دقة
رغم أن حجم العينة في الدراسة يعتبر صغيراً نسبياً، مما يستدعي إجراء أبحاث أوسع لتأكيد النتائج، إلا أن الآفاق التي تفتحها واعدة للغاية. يرى فرانكو كارلي (Franco Carli)، أحد رواد أبحاث التأهيل المسبق في جامعة ماكجيل الكندية، أن معرفة العلامات البيولوجية المحددة في الدم ستساعد الباحثين مستقبلاً على قياس دقة التمارين والتقنيات الأكثر فعالية.
ويختتم كارلي قائلاً: “نحن نتحدث هنا عن تدخل معقد وشامل، الأمر ليس مجرد حبة دواء يبتلعها المريض”. هذا البحث يضعنا أمام حقيقة علمية جديدة: التحضير للجراحة لا يقل أهمية عن الجراحة نفسها، وأن الاستثمار في “تدريب” المريض قبل دخول غرفة العمليات قد يكون هو الفارق بين التعافي السريع والمضاعفات المؤلمة.