Table of Contents
بالنسبة للملايين حول العالم، لا يحمل قدوم الربيع معه نسائم عليلة أو تفتحاً مبهجاً للأزهار فحسب، بل يُعلن بداية موسم سنوي من العطس المتواصل، وحكة العيون، وصعوبة التنفس. وبينما اعتاد مرضى الحساسية على توقيت معين لبدء هذه المعاناة، يبدو أن قواعد اللعبة تتغير بسرعة. لم يعد الأمر مجرد شعور عابر بأن الأعراض تباغتكم مبكراً هذا العام؛ فالعلم يؤكد الآن ما استشعره الكثيرون: موسم الحساسية لم يعد يلتزم بمواعيده القديمة، ومحرك هذا التغيير هو التحولات المناخية التي يعيشها كوكبنا.
تقديم عقارب الساعة البيولوجية
في تحول لافت للنظم البيئية، كشفت بيانات علمية حديثة أن موسم حساسية الفطريات بات يبدأ مبكراً بنحو ثلاثة أسابيع مقارنة بما كان عليه الحال قبل عشرين عاماً فقط. هذا التسارع الزمني ليس مجرد رقم إحصائي، بل هو انعكاس مباشر لارتفاع درجات الحرارة وتغير أنماط هطول الأمطار.

ووفقاً للباحثين في دراسة نشرت بدورية (GeoHealth)، فإن موسم الحساسية الفطرية ينطلق الآن بمتوسط 22 يوماً قبل موعده المعتاد في مطلع الألفية. ويشير كاي تشو، عالم البيئة بجامعة ميشيغان في آن أربور، إلى خطورة هذا التحول قائلاً: «إن فترة أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع ليست بالأمر الهين». هذا يعني أن على المرضى البدء في تحضير أدويتهم واستراتيجيات الوقاية الخاصة بهم في وقت أبكر بكثير مما اعتادوا عليه، خاصة في فصل الربيع الذي يشهد تقلبات حادة.
الفطريات.. العدو الخفي بجانب اللقاح
عندما نتحدث عن “حساسية الربيع”، تتجه الأنظار عادةً إلى حبوب اللقاح التي تطلقها الأشجار والزهور مع دفء الطقس. وبالفعل، أدى التغير المناخي إلى زيادة كثافة حبوب اللقاح وإطالة موسمها. ولكن، هناك لاعب آخر في هذه المعادلة الصحية غالباً ما يتم إغفاله: الفطريات.
تشير التقديرات إلى أن واحداً من كل خمسة أشخاص في الولايات المتحدة يعاني من حساسية تجاه الفطريات. وتعمل الأبواغ الفطرية (Spores) -وهي وحدات التكاثر المجهربة التي تطلقها الفطريات- كمثيرات قوية للجهاز المناعي، مسببة أعراضاً تتراوح بين سيلان الأنف وتدميع العيون، وصولاً إلى الأزيز وضيق التنفس لدى المصابين بالربو.
أراد الفريق البحثي بقيادة تشو فهم ما إذا كان موسم الأبواغ الفطرية قد تغير هو الآخر، وهل للتغير المناخي يد في ذلك. وللإجابة عن هذا السؤال، قاموا بتحليل بيانات من 55 محطة رصد تابعة للمكتب الوطني للحساسية (National Allergy Bureau)، ومعظمها مثبت فوق أسطح المستشفيات في أنحاء الولايات المتحدة. أظهرت النتائج أن بداية موسم الحساسية الفطرية في عام 2022 كانت أبكر بنحو ثلاثة أسابيع مقارنة بعام 2003.
مفارقة الأمطار: بداية مبكرة وتركيز أقل
لم يقتصر الاكتشاف على توقيت البداية فحسب، بل رصد الباحثون ظاهرة مثيرة للاهتمام: الأبواغ تبدأ في التراكم في البيئة مبكراً بنحو 11 يوماً في المتوسط، ولكن المفارقة تكمن في أن التركيز الكلي للأبواغ في الهواء على مدار العام كان أقل في 2022 مقارنة بـ 2003.
كيف يمكن للموسم أن يبدأ مبكراً ومع ذلك تكون الكمية الإجمالية أقل؟ يرجح كاي تشو أن السبب يكمن في غزارة الأمطار. فبينما تحفز الرطوبة الفطريات على إطلاق أبواغها في إطار زمني أقصر (مما يسبب البداية المبكرة)، فإن الأمطار الغزيرة تعمل كآلية “غسيل” للغلاف الجوي. يوضح تشو: «عندما يكون لدينا هطول مطري أكثر غزارة، فمن المحتمل أن يؤدي ذلك إلى تقليل الكمية الإجمالية للأبواغ العالقة في الهواء».
خريطة غير مكتملة
رغم أهمية هذه النتائج، ينبه الباحثون إلى أن الدراسة تقدم نظرة عامة قد تخفي تباينات محلية دقيقة. فما يحدث في منطقة ساحلية قد يختلف عما يحدث في منطقة جافة. ويأمل تشو أن تتاح في المستقبل بيانات من محطات رصد أكثر انتشاراً وتنوعاً جغرافياً.
ويختتم عالم البيئة حديثه بالإشارة إلى فجوة معرفية كبيرة: «لدينا مساحات شاسعة من الأراضي التي لا تتوفر عنها أي بيانات على الإطلاق». إن توسيع شبكة الرصد هذه لن يكون مجرد ترف علمي، بل ضرورة صحية ستمنح الناس تنبيهاً دقيقاً حول الوقت المناسب لإبقاء المناديل وأدوية الحساسية في متناول اليد، قبل أن تباغتهم الطبيعة بموسمها الجديد.