عمر عبد الرحمن* – (معهد بروكينغز) 13/2/2020

أتى الجواب الفلسطيني على “صفقة القرن” التي طرحها الرئيس الأميركي ترامب في شكل رفض سريع متوقع. وبعد مغازلة وجيزة مع ترامب وفريقه منذ أكثر من عامَين، بات محمود عباس؛ رئيس منظّمة التحرير الفلسطينية ورئيس السلطة الفلسطينية، منذ ذلك الحين يعتبر جهود البيت الأبيض مؤامرةً لتصفية الحركة الوطنية الفلسطينية، وهي تهمة كرّرها في مجلس الأمن مؤخراً.
وفي الأيام التي تلت إعلان الخطّة في 28 كانون الثاني (يناير)، دعا عبّاس شعبه للنزول إلى الشارع للاحتجاج، وطلب عقد اجتماع طارئ للجامعة العربية في مصر، وبعث برسالة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي يهدّد فيها بوقف كلّ التنسيق بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، بما في ذلك موضوع الأمن.
وتثبّت تفاصيل الخطّة مخاوف عبّاس بالإجمال. وتلتزم ما تدعى “رؤية” ترامب بشكل وثيق للغاية بالمواقف التي يتبنّاها أقصى اليمين الإيديولوجي في إسرائيل، بل انها تستعين بلغته وخطابه، مثل اللجوء إلى إشارات توراتية لتبرير السيطرة السياسية الإسرائيلية على القدس. وهكذا، في حال تمّ السماح بنشوء دولة فلسطينية، فإنها ستكون دولة بالاسم لا أكثر، وستكون مجردة من كلّ عناصر السيادة ذات المغزى، وستقع على أرخبيل من الجيوب المعزولة والمهمّشة التي تشبه البانتوستانات في جنوب أفريقيا في حقبة الفصل العنصري. وستحتفظ إسرائيل بأكثر من 30 في المائة من الضفّة الغربية وكلّ مستوطناتها والقدس بأسرها، فضلاً عن الاحتفاظ بسيطرة تامّة على الأمن والمياه والأجواء والحدود -وحتّى المعاهدات والتحالفات الفلسطينية. وستكون الاستقلالية الفلسطينية مقيّدة جداً لدرجة أنّ على “الدولة” الجديدة أن تطلب الإذن من إسرائيل لحفر بئرٍ لأنّ حقوق المياه الجوفية تبقى في يد إسرائيل.
وبكلمات أخرى، الخطّة مهزلة. ومع ذلك، لا يأتي التهديد الفعلي المتمثل في تصفية الحركة الوطنية الفلسطينية من إسرائيل أو الولايات المتحدة، وإنما يأتي من فشل قيادتها نفسها. وبطبيعة الحال، كشفت رئاسة ترامب عن الوهن الأساسي للسياسة الفلسطينية وخمول قادتها وحالة مؤسّساتها الرثّة بعد أكثر من ربع قرن من عمليات السلام والفشل التام لاتفاقيات أوسلو.
سلسلة من النكسات
منذ زمن الانتداب البريطاني في فلسطين وحتى تجدّد الحركة الوطنية تحت لواء منظّمة التحرير الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات وإلى يومنا هذا، عارضت إسرائيل بالإجمال التطلّعات الوطنية الفلسطينية، وعادة ما كانت الولايات المتحدة حليفاً حاضراً في الجهد المبذول لإعاقة هذه التطلّعات. ومع ذلك، لم تختفِ الحركة الوطنية الفلسطينية ببساطة، وإنما صمدت وتخطّت الكثير من التحديات والنكسات عبر الزمن.
ومع أنّ إسرائيل اعترفت في نهاية المطاف بمنظّمة التحرير الفلسطينية مُمثلاً شرعياً للفلسطينيين في العام 1993 مع توقيع اتّفاقيات أوسلو، فإنها لم تقبل آنذاك بحقّ الفلسطينيين في تقرير مصيرهم في دولة سيادية خاصّة بهم. وعوضاً عن ذلك، عكست اتفاقيات أوسلو حدودَ ما كانت إسرائيل مستعدّة للقبول به منذ بداية المفاوضات: كيان فلسطيني مجرّد من الجنسية للاهتمام بالحوكمة المحلّية في الضفّة الغربية وقطاع غزّة، والذي يعفي إسرائيل بذلك من معظم واجباتها كمحتلّ عسكري ويسمح لها في الوقت نفسه بممارسة السيادة على كامل الأراضي. ومن دون تقدير أساسي متقاسَم لما ستؤول إليه المفاوضات أو من دون أيّ شروط قانونية مرجعية، حوّل انهيار الاتفاقيات في النهاية هذا الاتفاق المؤّقت إلى وضع مستمرّ. وعلاوة على ذلك، سيكون هذا هو ما ستكرّسه خطّة ترامب جوهرياً بشكل نهائي في حال تم تطبيقها.
ولكن، على مدى أكثر من عامَين، وبينما وضع فريق ترامب مبادرة تلو الأخرى بشأن السياسات إما بهدف ترسيخ السيطرة الإسرائيلية على الأراضي المحتلّة، بما في ذلك القدس، أو بهدف تقويض المواقف الفلسطينية، لم يصدر عن عباس والمقرّبين منه سوى شعارات بالية. فعوضاً عن مواجهة الاقتراح الوشيك بشكل فاعل عبر تقديم رؤية بديلة والعمل مع الحلفاء في المنطقة وخارجها لحشد الدعم لها على الأقل، لم تحرّك القيادة الفلسطينية ساكناً وانتظرت من دون وضع استراتيجية أو رؤية مُقنعة.
تعرف إسرائيل أنّ تهديدات عبّاس بإنهاء تعاون السلطة الفلسطينية معها أو حلّ السلطة برمّتها ليس أمراً يمكن القيام به. فكان ذلك يتطلّب، في مرحلة ما على مدى الأعوام الخمسة عشر الأخيرة، بناء البدائل اللازمة لهيكليات حقبة أوسلو التي تعفي إسرائيل من مسؤوليات الحكم مع تعزيز اتّكال الفلسطينين عليها في كلّ شيء، ابتداء من المياه والكهرباء وصولاً إلى المرافئ والرخص. وبناء على ذلك، قد يكون القيام بمناورات ذات صلة على غرار قرار السلطة الفلسطينية مؤخراً بحظر استيراد بعض المنتجات الإسرائيلية إلى الأسواق الفلسطينية أمراً فعالاً في المبدأ، لكنّ الفلسطينيين غير جاهزين أبداً للحرب التجارية التي ستنشب جراء ذلك على الأرجح. وسيكون انتشالُ الفلسطينيين من هذه الورطة من دون خطر هائل على رفاههم مهمّةٌ تتخطّى مؤهلات هذه القيادة.
وعوضاً عن البحث عن مخرج من فوضى أوسلو، غاص عبّاس أكثر فأكثر وأصبح أكثر اتّكالاً على الرضا الإسرائيلي والأميركي للسير قدماً بقضية إنشاء الدولة الفلسطينية. وعوضاً عن تمتين العلاقات المُجدية في الخارج، ومن ضمنها العلاقات بين الشتات الفلسطيني، تمحورت استراتيجيته حول انتظار حدوث تغييرات جذرية داخل إسرائيل أو الولايات المتحدة، والتي قد تُنقذ حلّ الدولتَين. وبفعل هذا الاتّكال الشديد أصبحت إسرائيل والولايات المتحدة في موقع أتاح لهما إلحاق ضرر جسيم إلى هذا الحدّ بالحركة الوطنية.
لا شكّ في أنّ القيادة الفلسطينية ستجد عزاء في قرار الجامعة العربية برفض اقتراح ترامب بالإجماع، ممّا قضى على آمال الإدارة الأميركية بأن تجمع الدعم لرؤيتها من المنطقة الأوسع. ثم تبع ذلك بعد أيام قرارٌ لمنظمة التعاون الإسلامي دعا الدول الأعضاء السبع والخمسين إلى “عدم الانخراط في الخطّة أو التعاون مع الإدارة الأميركية في تطبيقها بأيّ شكل من الأشكال”.
غير أنّ هذه المواقف تتعارض مع تحوّلات مهمّة في الشرق الأوسط حول المسألة الفلسطينية والعلاقات مع إسرائيل. فقد قرّبت وقائعُ جيوسياسية جديدة، بما فيها الاضطراب الإقليمي، والتهديدُ المتصوّر للتوسّعية الإيرانية والانحسارُ الأميركي، بين إسرائيل وبعض الدول العربية. وعلاوة على ذلك، كيف يمكن للمرء أن يتوقّع أن تمتنع الدول العربية إلى ما لا نهاية عن متابعة مصالح مشتركة مع إسرائيل فيما تتعاون السلطة الفلسطينية نفسها مع إسرائيل بشكل يومي؟ طبعاً لا يستطيع عبّاس أن يطلب منها أن تكون أكثر تشدّداً من السلطة الفلسطينية نفسها.
ويتّصل بهذا الأمر الجمهورُ العربي الأوسع وحماسه للقضية الفلسطينية، التي عادة ما أدّت دور الكابح للقادة الإقليميين. لكن هذا الحماس تضاءل في الأعوام الأخيرة، ويُعزى ذلك جزئياً إلى احتلال مسائل أخرى أكثر إلحاحاً الأولوية، لكنّه يُعزى أيضاً إلى قيادة الفلسطينيين الهرمة وغير اللافتة وضيّقة الأفق التي لم تحرّك ساكناً مؤخراً لتحميس الرأي العام الإقليمي. (بين إنجاز لمراهقة اسمها عهد التميمي واجهت جندياً إسرائيلياً في العام 2017 كيف يمكن أن تأسر أعمال المقاومة مخيّلة العالم).
ويسري الأمر أيضاً في الداخل حيث تضاءلت شعبية عباس ومصداقيته بسبب غياب التقدّم في شأن تأسيس الدولة والحوكمة الرديئة بالإجمال وتعليق الانتخابات الديمقراطية والرغبة في المحافظة على التعاون الأمني مع إسرائيل. وعوضاً عن تفويض شرعي، لجأ بشكل متزايد إلى أدوات القمع للبقاء في السلطة. وفي خضمّ ذلك، أسكت النقّادَ وكَبَت النقاش البنّاء وأفقد الشعب حماسه، إلى درجة أنّهت بقيت بالكاد أيّ من الهيكليات التي سمحت للفلسطينيين بتحدّي الاحتلال الإسرائيلي في السابق.
وحيثما كان من الممكن اعتبار منظّمة التحرير الفلسطينية هيئة ممثلة شرعياً، وإنما من دون أن تكون هيئة ديمقراطية، حوّلتها الجهود لتعزيز السيطرة على المؤسسّة إلى كيان فارغ: تمّ إبعاد اللاجئين والشتات عن العملية السياسية، كما أن قسماً كبيراً من المجتمع الفلسطيني المرتبط بالفصائل الإسلامية، مثل حماس، ليس منضوياً تحت مظلة منظمة التحرير وخسرت الفصائل الباقية الكثير من صلتها السابقة بالأوضاع.
لا بديل عن القيادة السياسية
ينبغي أن تكون حالة الشؤون الفلسطينية همّاً للجميع، بغضّ النظر عن خلفيّاتهم السياسية. وكان هذا الضعف هو ما سمح لإسرائيل بالاستفادة من أفضليّتها إلى أقصى الحدود، وهو أمر يكمن في صلب الجهود الفاشلة لإحلال السلام. وإذا قررت إسرائيل، في مرحلة من المراحل في المستقبل، أن من مصلحتها إبرام اتفاق مع الفلسطينيين، فإنها لا توجد جهة شرعية بما فيه الكفاية لدى الفلسطينيين لتوقّع اتفاقية دائمة مجدية. وقد سمح الوهن الفلسطيني أيضاً لأولئك الأسرئيليين الراغبين في الوصول إلى استسلام فلسطيني تامّ باستغلال المبادرة، التي قرّبت إسرائيل من الضمّ والفصل العنصري، فضلاً عن الواقع الثنائي الذي هو أكثر ما يخشاه الكثيرُ من الإسرائيليين.
مع ذلك، طالما ظل الفلسطينيون محرومين من الحقوق المدنية والسياسية، سوف يستمرّ الصراع ويتفاقم ويولّد المزيد من عدم الاستقرار. وفيما أضعفت القيادة الفلسطينية الحالية الحركة الوطنية، فإنها ما تزال تحظى بالكثير من المقوّمات التي تستطيع التعويل عليها: ما تزال الهوية الفلسطينية راسخة ومنتشرة ويشكّل الناشطون والمجتمع المدني وداعموه، ومن ضمنهم مجموعات إسرائيلية ويهودية، على المستوى الشعبي المكوّنَ الأنشط والأكثر إلهاماً في الحركة الوطنية، ويقدّم جيل جديد من الأكاديميين والمفكّرين إطاراً فكرياً جديداً لفهم الصراع ليستعين به الشعب لتوجيه نضاله، وتبقى التعديات اليومية التي يواجهها الفلسطينيون خزّاناً لا ينضب يأخذون منه المبرر والطاقة لمواصلة قضيّتهم.
سيكون من شأن حملة شعبية، على غرار حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها التي تأسّست في العام 2005 كوسيلة للضغط على إسرائيل في وجه فشل الجهات الفاعلة الحكوميّة في حلّ هذا الصراع، أن تكون آلية قوّية للتغيير، غير أنّها ليست بديلاً عن برنامج سياسي مترابط تسير به قدماً الجهات الفاعلة السياسية.
إن المستقبل الوحيد الذي سيكون للحركة الوطنية الفلسطينية هو أن تفسح القيادة الراهنة المجال -أو أن يتم إرغامها على إفساحه، لتعطي الآخرين فرصة للقيادة.

*زميل زائر في مركز بروكينغز الدوحة.