Table of Contents
لطالما رسم العلماء وعامة الناس صورة أسطورية للخفافيش بوصفها “خزانات طائرة” لا تقهر، قادرة على حمل أخطر الفيروسات مثل إيبولا ونيبا وأقارب فيروس كورونا دون أن يرف لها جفن أو تظهر عليها أعراض المرض. ساد الاعتقاد بأن هذه الثدييات الطائرة تمتلك جهازاً مناعياً خارقاً يجعلها فريدة من نوعها في مملكة الحيوان. لكن تحليلاً علمياً جديداً وشاملاً جاء ليحطم هذه الهالة، مؤكداً حقيقة بيولوجية بسيطة: حتى الخفافيش قد تحتاج إلى “إجازة مرضية” وتدفع حياتها ثمناً للعدوى.
نهاية أسطورة المناعة المطلقة
في مراجعة بحثية ضخمة هي الأولى من نوعها، غاص باحثون من جامعة غلاسكو في اسكتلندا في أرشيف الدراسات العلمية الممتد لنحو 90 عاماً (بين 1936 و2022). كان الهدف التحقق من صحة الادعاء الشائع بأن الخفافيش تتمتع بمناعة استثنائية تحميها من المرض بشكل عام.

يقول عالم الأحياء ماكسويل فاريل، المؤلف المشارك في الدراسة: “كثيراً ما نجد أوراقاً بحثية تدعي أن الخفافيش مميزة لأنها لا تمرض من العدوى الفيروسية، لكن دون الاستناد إلى مرجع علمي موثوق”. وهذا ما دفع فريقه للبحث عن الحقيقة بالأرقام المجردة، بعيداً عن الانطباعات السائدة.
القوارض والخفافيش.. كِفّتا الميزان
شملت مجموعة البيانات التي حللها الفريق نتائج عدوى تجريبية أجريت على أكثر من 5600 حيوان من الخفافيش والقوارض، تم تعريضها لـ 54 نوعاً مختلفاً من الفيروسات. وكشفت التحليلات الإحصائية عن مفاجأة: لا يوجد فرق واضح في شدة المرض أو معدلات الوفيات بين الخفافيش والقوارض بشكل عام.
النتائج التي نُشرت في مستودع “bioRxiv” في الأول من سبتمبر، تشير إلى أن الخفافيش تتساوى مع القوارض – وهي ناقل رئيسي آخر لمسببات الأمراض البشرية القاتلة – في قدرتها المحدودة على تحمل العدوى الفيروسية. هذا يعني أن “القدرات الخارقة” للخفافيش لها حدود واضحة، وأنها قد تصاب بمرض شديد وتواجه الموت عند تعرضها لفيروسات معينة، تماماً كغيرها من الثدييات.
علاقة خاصة وليست درعاً عاماً
يكمن السر في التفاصيل التطورية. الدراسة أوضحت أن الخفافيش قد تظهر تسامحاً مدهشاً مع فيروسات محددة تطورت معها عبر الزمن، لكنها تنهار أمام فيروسات أخرى. على سبيل المثال، خفاش الفاكهة المصري (Rousettus aegyptiacus) يمكنه حمل فيروس “ماربورغ” القاتل للبشر دون أن يمرض، لأن هناك تاريخاً تطورياً طويلاً بينهما.
في المقابل، عندما تعرضت أنواع أخرى من الخفافيش لفيروسات مثل “غرب النيل”، كانت النتائج مميتة. هذا يعني أن المناعة الخفاشية ليست درعاً سحرياً ضد كل شيء، بل هي علاقة دبلوماسية معقدة مع فيروسات محددة فقط.
تحديات البحث عن “التذكرة المرضية”
يرى أرين جاي بانيرجي، عالم الفيروسات في جامعة ساسكاتشوان الكندية، أن هذه النتائج تصحح مسار البحث العلمي. يقول بانيرجي: “البعض لديه تصور بأن الخفافيش حيوانات غامضة وشبه إلهية لا تمرض أبداً، وهذا غير صحيح على الإطلاق”.
ويشير بانيرجي إلى معضلة طريفة وعلمية في آن واحد، وهي صعوبة تعريف “المرض” لدى الخفافيش. فالبشر يمكنهم الشكوى من تقلصات المعدة أو الصداع، لكن الخفافيش لا تستطيع إخبار الباحثين بأنها تشعر بوعكة عامة أو أنها “لا ترغب في الطيران اليوم”. هذا يجعل رصد الأعراض الدقيقة تحدياً كبيراً مقارنة برصد الوفيات.
إن فهم الآليات الدقيقة التي تسمح لبعض الخفافيش بالتعايش مع فيروسات قاتلة للبشر (دون غيرها) قد يفتح الباب لتطوير علاجات مضادة للفيروسات مستوحاة من بيولوجيا الخفافيش. ويؤكد فاريل أن الأدوية المستوحاة من مناعة الخفافيش، حتى لو كانت فعالة ضد مجموعة ضيقة من الفيروسات، ستكون مفيدة للغاية في التصدي للأوبئة المستقبلية التي نخشى ظهورها.