بيبين براندون* – (مجلة المادية التاريخية) 7/9/2019
ترجمة: علاء الدين أبو زينة

في العام 1944، كتب المفكر الكاريبي المناهض للاستعمار، إريك ويليامز، عمله الكلاسيكي الرائع “الرأسمالية والعبودية”. وجادل الكتاب بأن الثروة الهائلة التي استخلصتها بريطانيا من مزارع الرقيق في جزر الهند الغربية في القرن الثامن عشر أسهمت بشكل كبير في الثورة الصناعية، وبالتالي في ولادة الرأسمالية الحديثة. وعلى مدى 75 عاماً منذ ذلك الحين، ناقش المؤرخون مزايا “أطروحة ويليامز”. لكن هذه المناقشة تجاهلت إلى حد كبير أدوار هولندا وإمبراطوريتها الاستعمارية المهمة. وكثيراً ما رأى المؤرخون الإمبرياليون المحافظون في هولندا أن مسألة مساهمة العبودية في الرأسمالية غير مهمة، لأن هولندا كانت متأخرة كثيراً عن بريطانيا في إحداث ثورتها الصناعية. وتجاهلت هذه الحجة بسهولة الأهمية الكبيرة لرأس المال التجاري الهولندي في تحقيق اختراق أوسع للرأسمالية الأوروبية. وبشكل عام، جادل هؤلاء المؤرخون عادة بأن مساهمة العبودية في جزر الهند الغربية الهولندية كانت صغيرة. وكانوا يميلون أيضاً إلى التعامل مع تاريخ الاستعمار والعنف والعبودية في الأميركتين على أنهما شأنان منفصلان تماماً عن تاريخ الاستعمار الهولندي في آسيا، كما لو أنهما لا علاقة لهما ببعضهما بعضا. ومع ذلك، في جميع الحالات الثلاثة، يشهد السرد تحولاً الآن، حتى في أوساط المؤرخين العاملين في هولندا. ويمكن أن يساعد هذا التحول على توفير أساس لإعادة كتابة تاريخ المشاركة العالمية للإمبراطورية الهولندية في العبودية، والتي تجمع بين منطقة المحيط الأطلسي وعالم المحيط الهندي وتوضح كيف أن الثروة التي تمت مراكمتها في كلا نصفي الكرة الأرضية غذت مراكمة رأس المال الأوروبي، مع لعب رأس المال الهولندي دور المنشئ، والمنفذ، والمنظم والوسيط.
تورط التجار الهولنديون في العبودية العالمية منذ القرن السادس عشر وما بعده. وظلوا كذلك حتى النصف الأول من ستينيات القرن التاسع عشر، عندما كان الهولنديون آخر أمة أوروبية تلغي العبودية رسمياً في مستعمراتها. وحتى في ذلك الحين، رتب الهولنديون لاستخلاص المزيد من العمل القسري من رعاياهم المستعبدين في السابق. في جزر الهند الشرقية، تم تنظيم هذا في شكل “نظام زراعة” كان قد استبدل العبودية بأنواع أخرى من العمل القسري في الفترة السابقة. وفي سورينام والمستعمرات الهولندية الأخرى في الكاريبي، طالب مرسوم التحرر للعام 1863 بعشرة أعوام أخرى من “التدريب المهني” في المزارع، حيث كان السكان الأفارقة ملزمين بمواصلة العمل لأسيادهم السابقين. وكان دور الإمبراطورية الهولندية في العبودية العالمية واسع النطاق، بما في ذلك نقل وبيع مئات الآلاف من الأسرى في كل من المحيط الأطلسي ومنطقة المحيط الهندي، وتشغيل عمالة الرقيق في المستعمرات التي شملت في مراحل مختلفة من الزمن شمال البرازيل، ونيو أمستردام (الآن نيويورك)، وسورينام، وجنوب إفريقيا، وإندونيسيا وسريلانكا اليوم، والعديد من المناطق الأخرى في آسيا. ولم تحدث أول “تجربة” واسعة النطاق لظاهرة عبودية المزارع التي قام بها الهولنديون في الغرب، وإنما في جزر باندا المنتجة لجوزة الطيب في جنوب ملوكاس، بعد أن نظم حاكم شركة الهند الشرقية الهولندية، يان بيترسزون كوين، حملة إبادة جماعية ضد السكان الأصليين. ومع ذلك في معظم المناطق الخاضعة لسيطرة شركة الهند الشرقية الهولندية، قام الهولنديون بدمج العبودية مع العديد من أشكال السخرة الأخرى. وكان هذا مختلفًا في المستعمرات الأطلسية مثل سورينام، التي أصبحت منظمة تماماً حول مؤسسة عبودية المزارع الأفريقية إلى حد كبير، والتي تم فيها دفع أشكال أخرى من العمل القسري، مثل عبودية السخرة البيضاء أو أشكال استعباد السكان الأصليين، إلى الهوامش.
بالنسبة لبريطانيا وفرنسا، فإن أكبر طفرة في هذا الشكل “الكلاسيكي” من العبودية التجارية التي كانت جوهر أطروحة إريك ويليامز عن الإمبراطورية الهولندية، حدثت في مسار القرن الثامن عشر، عندما انفجرت دوائر التجارة والتمويل الأطلسي على نطاق واسع. وكما اقترح وليامز نفسه منذ عدة عقود، فإن العائدات الرئيسية لم تكن مستمدة من تجارة الرقيق في حد ذاتها، وإنما من البضائع التي تم إنتاجها في المزارع من خلال العمل المضني للمستعبدين: السكر والقهوة والتبغ والصباغ النيلي، والكاكاو وغيرها من المنتجات للأسواق الأوروبية. وكان زميلي أولبي بوسما وأنا قد نشرنا مقالاً طويلاً في “المجلة الهولندية” الرئيسية للتاريخ الاجتماعي والاقتصادي، والذي يتحدى الفكرة القائلة بأن الهولنديين حققوا فوائد اقتصادية هامشية فقط من عبودية المزارع في القرن الثامن عشر في عالم الأطلسي. ويلخص المقال نتائج عمل فريق من الباحثين الذين نظروا خلال الأعوام الخمسة الماضية في أهمية العبودية في جزر الهند الغربية للاقتصاد الهولندي.
مع تحديدنا نقطة انطلاق هي العام 1770، الذي كان عاماً متوسطاً بالنسبة للنصف الثاني من القرن الثامن عشر، نظهر في مقالنا أن 5.2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي الهولندي في تلك الفترة كان يعتمد مباشرة على عبودية الزراعة. ويدل هذا الرقم وحده مسبقاً على أننا نتحدث عن قطاع كبير. في الآونة الأخيرة، خلصت دراسة أجراها خبراء اقتصاديون أميركيون يعملون لحساب الحكومة الفيدرالية إلى أن ثقل “الاقتصاد الرقمي” الأميركي بأكمله -وادي السيليكون، والتجارة الإلكترونية، والبنية التحتية الرقمية وصولاً إلى شركات الكابلات- يشكل نحو 6.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة اليوم.
ومع ذلك، فإن مجرد نسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي لا تدم لنا سوى جزء واحد من قصة الثقل الاقتصادي للرق. كما أن من المهم أيضاً معرفة أين انتهى المطاف بالإيرادات المتأتية من العبودية في الاقتصاد. وفي حالة هولندا، انتهى المطاف بهذه الإيرادات إلى حد كبير في القطاع التجاري الضخم الواقع في الجزء الغربي من البلاد، في أغنى مقاطعة في هولندا، التي تسمى هولندا هي أيضاً. ووفقاً لحساباتنا، كانت هناك بحلول العام 1770 نسبة كبيرة تعادل 10.36 في المائة من إجمالي الناتج المحلي تعتمد على العبودية في المحيط الأطلسي. أما أن هذه النسبة المئوية كانت مرتفعة للغاية، فكان ذلك نتيجة مباشرة لأهمية السلع المنتجة من الرقيق في قطاع التجارة الهولندي، الذي كان ما يزال يهيمن على الاقتصاد في ذلك الوقت. ومن بين جميع البضائع التي مرت عبر الموانئ الهولندية، والتي تم التعبير عنها بالقيمة، كان 19 بالمائة يأتي من إنتاج العبيد مباشرة. وكانت نسبة 4 إلى 5 في المائة أخرى عبارة عن سلع لتزويد مزارع الرقيق وسفن العبيد.
لم يستفد رأس المال الهولندي من استغلال مستعمرات الرقيق التي تسيطر عليها الشركات الاستعمارية الهولندية والدولة فحسب. من وقت “الثورة الهولندية” في أواخر القرن السادس عشر وما بعده، كانت أمستردام تعمل كمحور أساسي للتجارة والتمويل الأوروبيين الأوسع. وفي القرن السابع عشر، شمل هذا الدور التوزيعي بشكل بارز الاتجار بالسلع الاستعمارية، ولكن من الناحية المطلقة، هيمنت تجارة النقل والشحن الأوروبية الهائلة على دوائر استثمار رأس المال.
لكن هذا تغير تدريجياً في القرن الثامن عشر، عندما تم التغلب على الهولنديين في مجالات أخرى، لكنهم تمكنوا من تعويض ذلك من خلال الثقل المتزايد للاتجار بالبضائع الاستعمارية من كل من المحيط الأطلسي ومنطقة المحيط الهندي. وبحلول النصف الثاني من القرن الثامن عشر، لم يستورد الهولنديون القهوة والسكر من سورينام فقط، ولكنهم تعاملوا أيضا مع ملايين الباوندات من القهوة والسكر المنتجين في المستعمرة الفرنسية الزراعية الرئيسية، سانتو دومينغو. وقد استمرت هذه العلاقة بين الاقتصاد الهولندي وسانتو دومينغو إلى أن أدت ثورة المستعبدين في العام 1791 إلى التحرر وتشكيل هايتي المستقلة. وفي تلك الأثناء، ربطت شبكة مُحكمة من المصرفيين والتجار ومديري الرهونات العقارية والممولين سوق أمستردام المالي الذي كان ما يزال مزدهراً، بالمزارعين في المستعمرات الإسبانية والمستعمرات الدنماركية الصغيرة في منطقة البحر الكاريبي وجنوب الولايات المتحدة.
تُظهر هذه الحجج المتعلقة بالاقتصاد الهولندي الأطلسي أنه ينبغي تناول مسألة العلاقة بين الرأسمالية والعبودية التي طرحها إريك ويليامز في إطار أوسع بكثير من مجرد الروابط بين الثورة الصناعية البريطانية ومجمع السكّر البريطاني في جزر الهند الغربية. كما أنها تتحدى أيضاً فكرة بعض المؤرخين الهولنديين القائلة بأن العبودية الأطلسية كانت ذات أهمية هامشية فقط للاقتصاد الهولندي. لكن بالوسع عمل أكثر من ذلك بكثير إذا ما تمت مقاربة تاريخ العبودية على نطاق عالمي حقاً. ولا يعني هذا بالضرورة عملية نسخ بسيطة للأساليب المستخدمة لحساب الأهمية الاقتصادية للرق في منطقة الأطلسي وتطبيقه على إمبراطورية شركة الهند الشرقية الهولندية. فبينما أصبحت العبودية الزراعية في عالم الأطلسي هي النقطة التي تنجذب إليها جميع الأنشطة التجارية، جمعت الإمبراطوريات الاستعمارية في آسيا في معظمها العديد من الأشكال المختلفة للعمل القسري في الوقت نفسه، بحيث يصبح من الصعب للغاية تقدير ما يشكل أرباحاً من العبودية في حد ذاتها.
وبشكل عام أيضاً، كانت المزارع في عالم الأطلسي مملوكة مباشرة للأوروبيين، بينما في آسيا كانت شركة الهند الشرقية الهولندية تعتمد في كثير من الأحيان على وسطاء مثل الملوك، والأرستقراطيات العقارية، أو التجار الصينيين والمزارعين المستأجرين. وربما يكون الأكثر أهمية من التغلب على هذه الصعوبات في إجراء حسابات قابلة للمقارنة بدقة في هذه المرحلة، هو مواجهة التحدي المتمثل في وضع التواريخ الأساسية للرق الاستعماري في إطار مشترك.
لم تنتهِ الروابط بين العبودية في المحيط الأطلسي وعالم المحيط الهندي بالتجارب الهولندية مع العبودية الزراعية في جزر باندا، وإنما نقلها موظفو شركة الهندية الشرقية الهولندية وشركة الهند الغربية الهولندية عبر المحيطات إلى عالم الأطلسي. وقد استمروا في ذلك حتى حقبة الإلغاء الرسمي للرق، عندما أشرف يوهانس فان دين بوش على “تحديث” العبودية الزراعية في سورينام قبل أن يصبح المنظِّم لنظام الزراعة في جافا، وعندما تم نقل العمال بالسخرة من الهند وإندونيسيا إلى سورينام لبناء قوة العمل الجديدة بالإكراه بعد صدور مرسوم تحرير العبيد في العام 1863. وسوف تتعزز إعادة كتابة تاريخ العبودية الاستعمارية الهولندية بطريقة مترابطة بشكل كبير من خلال التعاون بين الباحثين الذين يعملون على هذه العناوين في إندونيسيا ومنطقة البحر الكاريبي وهولندا. وقد شرع المؤرخون في هولندا نفسها بالتعرف تدريجياً إلى هذه القصة الأكثر عالمية عن أهمية العبودية للرأسمالية الهولندية، بعد طول انتظار.

*أستاذ مساعد في جامعة فريجي بأمستردام، وباحث أول في المعهد الدولي للتاريخ الاجتماعي. يركز عمله على ثلاثة مواضيع متصلة: تاريخ الرأسمالية؛ والحرب والتنمية الاقتصادية؛ والعبودية.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Dutch capitalism and slavery