Table of Contents
عندما نتأمل زهرة عباد الشمس أو ندقق في تفاصيل جناح فراشة، غالبًا ما يأسرنا الجمال الهندسي المتكرر لتلك الأشكال. تبدو وكأن فنانًا ماهرًا قد رصفها بقطع دقيقة من الفسيفساء لتخلق لوحة بصرية مذهلة. لكن، هل سألت نفسك يومًا: هل هذا الجمال مجرد زخرفة؟ الإجابة التي كشف عنها العلم مؤخرًا هي قاطعة: لا. إن هذه الأنماط المتكررة، التي تشبه بلاط الأرضيات المتراص، هي في الحقيقة حلول هندسية عبقرية طورتها الطبيعة عبر ملايين السنين لضمان البقاء.
أكثر من مجرد جمال: سر العيون المركبة
لنأخذ ذبابة “القنص” (Snipe fly) كمثال؛ فعيونها ليست مجرد عدسات بسيطة، بل هي تحفة هندسية مكونة من آلاف الوحدات السداسية المتراصة بدقة متناهية.

هذه الوحدات، التي تُعرف علميًا بـ “العُيينات” (Ommatidia)، تعمل كبلاطات فسيفسائية تلتقط كل واحدة منها جزءًا من المشهد، ليقوم دماغ الحشرة بدمجها في صورة واحدة شاملة. هذا التصميم ليس للزينة، بل هو ضرورة حيوية لرصد الحركة السريعة وتوفير مجال رؤية واسع يحميها من المفترسات.
الرصف البيولوجي: حل تطوري تكرر آلاف المرات
في دراسة حديثة وشاملة نُشرت في دورية PNAS Nexus، قام فريق من الباحثين بقيادة عالم الأحياء جون نياكاتورا من جامعة هومبولت في برلين، بفحص ظاهرة “الرصف البيولوجي” (Biological Tilings). وقد وجد الباحثون أن الطبيعة تعيد استخدام هذا التصميم الهندسي مرارًا وتكرارًا عبر سلالات مختلفة تمامًا، مما يشير إلى ما يُعرف بـ “التطور التقاربي”.
يقول نياكاتورا موضحًا أهمية هذا الاكتشاف: «هذه التصاميم السطحية موجودة فعليًا على جميع المقاييس. إنها ليست ميزة مقتصرة على سلالة واحدة أو بضع سلالات في علم الأحياء، بل هي حل وجد التطور طريقه إليه عدة مرات بشكل مستقل».

قام الفريق بجمع وفهرسة 100 مثال مذهل لهذه الأنماط، بدءًا من الكائنات الدقيقة التي لا تُرى بالعين المجردة وصولاً إلى العمالقة. فمن القفيصات البروتينية (Capsids) التي تحمي الحمض النووي للفيروسات بعرض بضعة نانومترات، إلى الصفائح العظمية الضخمة التي تغطي ظهور السلاحف، يثبت مبدأ “الرصف” أنه استراتيجية ناجحة عبر جميع الأحجام.
وظائف متعددة: من تكييف الهواء إلى الدروع المرنة
لا يقتصر دور هذه الأنماط على الحماية الميكانيكية فحسب، بل يتعداها إلى وظائف فسيولوجية معقدة. فجلد الفيل، الذي يبدو للوهلة الأولى مجرد جلد متجعد، هو في الواقع نظام تبريد متطور قائم على مبدأ التبليط.

تعمل شبكة الشقوق الموجودة بين “بلاطات” جلد الفيل على الاحتفاظ بالماء والطين لفترات طويلة، مما يساهم في تنظيم درجة حرارة جسم هذا العملاق وحمايته من أشعة الشمس الحارقة والطفيليات المزعجة.
وفي عالم البحار، نجد تطبيقًا آخر مذهلاً للدروع المرنة. فأسماك القرش والشفنينيات (Rays)، التي تفتقر إلى الهياكل العظمية الصلبة، تمتلك هياكل غضروفية مغطاة بآلاف القطع المتراصة التي تشبه البلاط (Tesserae).

المثير للدهشة هو آلية نمو هذه الدروع؛ فمع نضوج الحيوان، تنمو هذه القطع الفسيفسائية بحجمها لضمان عدم ظهور أي فجوات بينها، مما يحافظ على تكامل الدرع الواقي دون أن يفقد الحيوان مرونته في السباحة.
معرض الطبيعة: تنوع مذهل ووظائف لانهائية
تتجلى عبقرية الطبيعة في تنوع استخدامات الرصف. ففي الحفريات القديمة، نرى كيف استخدمت كائنات الأمونيت (Ammonites) خطوطًا متموجة لربط أجزاء صدفاتها ببعضها البعض، مما يمنحها قوة هيكلية هائلة.

وفي عالم النبات، تُعد زهرة عباد الشمس مثالاً كلاسيكيًا على الكفاءة. الرأس الزهري ليس زهرة واحدة، بل مصفوفة من مئات الزهيرات الصغيرة المتراصة (Florets)، مما يزيد من جاذبيتها للملقحات ويضمن إنتاج أكبر كمية من البذور في أقل مساحة ممكنة.

ولا ننسى أجنحة الفراشات، التي تُكسى بحراشف دقيقة متراكمة كالقرميد فوق سطح المنزل. هذه الحراشف لا تمنح الفراشة ألوانها الزاهية فحسب، بل تساعد أيضًا في طرد الماء وتقليل مقاومة الهواء أثناء الطيران.

إلهام للمستقبل: عندما يتعلم المهندسون من الطبيعة
يرى جون نياكاتورا وفريقه أن دراسة هندسة هذه الأسطح الطبيعية ليست مجرد فضول علمي، بل هي كنز للمهندسين والمصممين. الفائدة الكبرى لهذه الأسطح المرصوفة تكمن في المعادلة الصعبة التي تحققها: الحماية مع المرونة.
يقول نياكاتورا: «إذا كان السطح صلبًا قطعة واحدة، فقد تتقيد الحركة. انظر إلى حيوان المدرع (Armadillo)؛ يمكنه الالتفاف ليصبح كرة صلبة في اتجاه معين، لكنه يظل متماسكًا وصلبًا في اتجاهات أخرى».
يمكن لهذا الفهم العميق للهندسة الطبيعية أن يقودنا لابتكار جيل جديد من المنتجات: من واقيات الركبة التي تتكيف مع نمو الأطفال (كما تنمو دروع القرش)، إلى واجهات مبانٍ ذكية تنظم الحرارة ذاتيًا مستوحاة من جلد الفيل. إن الطبيعة، كما يبدو، قد أنجزت بالفعل أصعب مهام التصميم، وما علينا سوى أن نتعلم قراءة مخططاتها بتمعن.