يديعوت آحرونوت
بقلم: ناحوم برنياع 6/11/2020

في الاشهر الاخيرة أكثرت من العرض على اصدقائي الاميركيين البحث عن مستقبلهم في اسرائيل. ليس بصفة مهاجرين جدد بل بصفة طالبي لجوء. هم أصدقائي الاميركيون عبروا عن مخاوفهم – من الوباء الذي يحبسهم في البيت، عن الاقتصاد المترنح، عن الرعب الذي سيطر على مراكز المدن – معوزو السكن الذين فقدوا مصادر عيشهم واصبحوا عنيفين. المظاهرات التي تدحرجت الى سلب ونهب للمحلات وقتل للمتظاهرين. يروون كم صعبا لهم مواصلة تحمل رئيسهم (ترامب) ويصفونه كشخصية شريرة في مسلسل فكاهي وكأنه “لكس لوثر” بدون التدخل المواسي لسوبرمان.
عندما اقترح عليهم الهجرة، يوجهون نظرة الى بيوتهم الجميلة، الى حياتهم المريحة، يتذكرون بان البديل الذي اعرضه عليهم ايضا بعيد عن ان يكون كامل الاوصاف، فينتقلون الى موضوع آخر. في البداية كانوا يصرخون عندما أعرض عليهم التفكير في الهجرة، وفي الاسابيع الاخيرة كفوا عن الصراخ.
منذ اغلاق صناديق الاقتراع في اميركا وانا ملتصق ببث السي.ان.ان. يوجد عنصر ادمان في مشاهدة البث التلفزيوني. العيون تغمض ولكن المذيع يضمن بأن فور انتهاء الدعاية ستأتي نتائج جديدة من ميشيغن او من اريزونا، عودوا الينا، فيقول المشاهد لنفسه حسنا جولة اخرى وبعدها انام. ولكن عندها يأتي التحليل المنمق عن النتائج المتوقعة في الدائرة الانتخابية اياها، ناحية صعبة على اللفظ لأطلنطا، جورجيا، فينكس، اريزونا، ويعود المشاهد ليغرق في الاعداد المتراكضة على الشاشة. ولكنه لا يجد حلا، إذ لا يوجد حسم. كلما كانت الانتخابات متلاصقة اكثر، يكون عد الاصوات ابطأ. وكلما كان عد الاصوات ابطأ تكون الجلبة اكبر. ومثل اسرائيليين كثيرين، فان لدي علاقات طويلة مع اميركا. ففي سنوات السبعين كانت ووترغيت، مدرسة للسياسة. القوة، المال والشرف: واشنطن هي الساحة التي تلعب فيها هذه العناصر الثلاثة.
تعلمت عظمة اميركا، كيف انقذت البشرية وقيمها في الحربين العالميتين؛ كيف فتحت ابوابها امام ملايين المهاجرين. فقد بنتهم وبنوها؛ كيف نجحت في صياغة دستور عبقري واعادة بناء نفسها والازدهار بعد حرب اهلية مضرجة بالدماء. كيف تقدمت بالعلم والثقافة، الديمقراطية والاقتصاد العالمي. حرية، ديمقراطية، قوة عسكرية، حقوق انسان، نية طيبة، ثراء للفرد: القرن العشرين كان القرن الاميركي.
تعلمت ايضا كم هي رقيقة طبقة الطلاء الجميلة التي تغلف المجتمع الاميركي. تحتها يدور ظلم، جور، عنصرية، فساد سياسي، عنف. الاغنياء اصبحوا اكثر غنى؛ الطبقة الوسطى، العمود الفقري للمجتمع، تتناقص؛ الفقراء يلقى بهم الى الخارج. وقد تطرفت هذه العملية منذ الثمانينيات. وترامب تدهور بها أكثر فأكثر. اميركا ما تزال بلاد الامكانيات غير المحدودة – شريطة أن تكون مليارديرا.
ما كنت اريد أن أكون أميركيا في 2020.
بايدن وترامب، رجلان أبيضان في السبعينيات من العمر، ينتميان لأميركا القديمة. 74 مليون طفل يعيشون في الولايات المتحدة حاليا واصبح الاطفال البيض اقلية (اليهود بالمناسبة هم جزء من الوسط الابيض. ليس دوما كان هذا هو الحال). في غضون عشرين سنة سيكون البيض اقلية في عموم السكان.
ولكن عند اللون ينتهي وجه الشبه بينهما. بايدن هو سياسي مختص، مع قرابة 50 سنة أقدمية. جاء من دلاور، ولاية صغيرة، باقل من مليون نسمة، على خط الحدود التقليدي، خط مايسون – ديكسون. بين شمال الولايات المتحدة وجنوبها. عمليا هي ضاحية من بنسلفانيا المجاورة. مدينة كبيرة واحدة، فيلمغتون، مصانع دوبونت ومحطة قطار بين واشنطن وفيلدلفيا – هذا يلخص الى هذا الحد او ذاك ما يوجد لدى دلاور لان تعرضه.
الدستور الاميركي يضيء الوجه للولايات الصغيرة. فحسب الدستور، تنتخب دلاور مندوبين لمجلس الشيوخ – تماما مثل كاليفورنيا التي عدد سكانها اكبر بأربعين ضعفا. وضرب حظ بايدن، وفي سن 30 تنافس على عضوية المجلس وفاز. ومنذئذ وهو جزء من المؤسسة الواشنطنية. كان ضمن امور اخرى رئيس لجنة الخارجية في مجلس الشيوخ، عرض ترشيحه للرئاسة مرتين وفشل. تولى لثماني سنوات منصب نائب رئيس موال تحت براك اوباما وانتخب بالقوة، بخلاف ما كان متوقعا كمرشح للرئاسة في عمر 78. هو “العم جو”، العم الثرثار الذي يملأ بوده اللجوج الغرفة. لا توجد كاريزما، يوجد قليل جدا من المفاجآت.
كل محاولات ترامب لتسويد وجه بايدن لم تنجح. فالاعلام الرسمي لم يشترِ القصص التي نشرها ترامب ورجاله، سواء لانها تعلمت الدرس من الاخطاء التي ارتكبتها قبل أربع سنوات ام لان بايدن لم يثر فيها الاهتمام الذي اثارته هيلاري كلينتون. وكان تقليل الاهتمام ببايدن ونائبته كاميلا هرس خطوة مدروسة من الديمقراطيين. كان هذا قرارا سليما.
ولكن كلما انكشفت الاعداد في السباق المتلاصق في الولايات المتنافسة يتبين انه كانت لبايدن مساهمة مهمة. فالاتحادات المهنية ايدته. بما في ذلك الافرو-أميرككيين الذين يسكنون في المدن الكبرى في الدوائر الحرجة. وقد عرف كيف يصل الى رؤساء الجاليات، الوعاظ في الكنس. وقد اضفى عليهم شيئا من السحر الذي اضفاه عليهم الرئيس الذي ارتبط به – براك اوباما.
سوء حظ ترامب
ترامب جاء الى الرئاسة من منهاتن، نيويورك. الولاية التي ولد فيها واصبح مليارديرا. ولكنها لم تنتخبه قبل أربع سنوات ولم تنتخبه هذه المرة. وقد انتخب في الانتخابات التمهيدية في الحزب كشخص من الخارج – رجل الاعمال الناجح، الملياردير، النجم التلفزيوني، عدو المؤسسة السياسية، الرجل الذي رمم الاقتصاد، والذي سيزج هيلاري كلينتون في السجن ويجفف مستنقع واشنطن. بل وسيعيد أميركا لعظمتها.
في سنوات ولايته الاربعة تبين ان رجل الاعمال لم يكن ناجحا جدا: نجاحه التجاري الوحيد كان جعل اسمه علامة تجارية ذات قيمة. وكذا عن المليارات وشرعيتها كانت علامات استفهام. المستنقع الواشنطني لم يجفف، بل بدل الضفادع فقط: المليارديريون مؤيدو ترامب اثروا بفضل تبرعاتهم لحملة الانتخابات والعلاقات مع دوائر الضغط التي اشتروا خدماتها. ومجموعة المصوتين الذين حصلوا على مقابل كامل لقاء استثمارهم في ترامب هم المسيحيون الافنجيليون. فقد حصلوا على ثلاثة من اصل تسعة قضاة محافظين جدد، اغلبية مستقرة، لسنوات طويلة لقرارات حاسمة في القيم الاهم للمجتمع الاميركي. وهذا الارث سيبقى لسنوات بعد أن ينسى اسم ترامب.
الشعبوية القومية المتطرفة، الانعزالية، كراهية الاجانب، الاحتقار للسلامة السياسة، والمحبة للسلاح هي جزء من التاريخ الاميركي. وفي العقد الماضي سافرنا مع صديقين اميركيين، امرأة ورجل، يعملان في مهن حرة، بالطرق الجانبية لنيو اينغلند. وكان الموسم خريفيا مثل اليوم. تحدثنا عن سلسلة العمليات التي تعرضت لها اميركا: مجانين ذبحوا اطفال مدراس، ومجرد مشاة في الشارع. فالسهولة التي يمكن فيها الحصول على السلاح في الولايات المتحدة اثارت حفيظتنا، نحن الاسرائيليين، وافترضنا ان هكذا يشعر صديقانا ايضا. ولكننا اخطأنا.
قالا لنا انتم لا تفهمون كم هو مهم السلاح لنا. لا تفهمون كم هذا اميركي. وفي الحديث تبين انهما يحتفظان بترسانة من الاسلحة وانهما يتدربان عليها. وقال لهما ترامب “بايدن سيأخذ منكما البنادق”، فصدقوا.
دارج القول ان مصوتي ترامب هم رجال بيض من الطبقة الوسطى الدنيا. “جديرون بالشفقة”، اسمتهم هيلاري كلينتون في تصريح بائس لها عشية الانتخابات السابقة. ولكن ليسوا هم فقط صوتوا له، في حينه والآن. للترامبية يوجد مؤيدون في كل طبقات المجتمع: نساء أيضا، مؤمنون من كل الاديان ايضا. افرو-أميرككيون ايضا. هسبانيون ايضا. يهود ايضا. الكثير من الناخبين ممن لا يحبون السلوك المهين، عديم اللجام، لترامب صوتوا مع ذلك له مع ذلك. فاليسار الديمقراطي يخيفهم اكثر.
“الناس عالقون في تاريخهم. التاريخ عالق فيهم”، كتب الشاعر الافرو-أميرككي جيمز بولتوين. الترامبية هي جزء من لحم اميركا. والآن ايضا جزء من لحم العالم الغربي كله.
نتنياهو سيتدبر أمره
توقع مؤيدو الديمقراطيين انتصارا جارفا: ليس بسبب بايدن بل بسبب ترامب. والتصويت المتلاصق ادخلهم في حالة اكتئاب. تعلموا ان الاميركيين ليسوا بالضبط ما اعتقدوا عنهم. نصف اميركا تحب ما يكرهون من كل قلبهم، وبالعكس. الشرخ عميق. ويبدو أيضا ان الحلم بالتحكم بالبيت الابيض وبمجلسي الكونغرس تبدد هو الاخر. اغلبية جمهورية في مجلس الشيوخ من شأنها ان تعرقل كل محاولة للتقدم بجدول اعمال جديد. وقبل ذلك تنتظرهم حرب استنزاف في المحاكم، والتي ستمزق المجتمع الاميركي إربا.
في الاسبوع الماضي نشرت هنا مقابلة مع توم فريدمان من “نيويورك تايمز”. النتائج اقلقتني. قال لي “تصور ان ترامب يقنع المحكمة العليا اعطاءه النصر في الانتخابات. المتظاهرون يخرجون الى الشوارع في واشنطن فيحرقون المحكمة العليا”. كما قال ايضا: “يتعين على ترامب أن يتصدى للاهانة، للنزول عن العناوين وعن الاحداث. وهو سيقاتل كحيوان محبوس. ان الخطر في أن تدخل الدولة في فوضى، حرب شوارع واضح وحقيقي. لا تقلل من قيمته”.
ما يبرز للعيان، قلت، هو أنه يوجد هنا نوعان من الوطنية. بايدن يعرض وطنية قديمة، ثقة اساسية بالقانون، بمؤسسات الدولة، بقواعد اللعب. اما ترامب ومؤيدوه فهم وطنيو رجل واحد. كل من تبقى مشبوه في نظرهم، تشتم منه رائحة المؤامرة.
فقال: “أتدري ما يواسيني. اذا فاز بايدن فسنتخلص من بضعة اناس اشرار: المدعي العام بار، وزير الخارجية بومبيو؛ وترامب نفسه بالطبع”.
قلت له ان اتابع بسرور احصاء الاصوات الذي لا ينتهي في لاس فيغاس. شيلدون ادلسون الذي وعد بالتبرع لترامب بـ180 مليون دولار لم ينجح في ان يدفع عاملي دور الكازينو في المدينة للتصويت لترامب. لقد كان رفع رواتب موظفي القمار سيكلف اقل، ويجدي ترامب اكثر من كل الملايين.
هل ترامب في ولاية ثانية جيد لنتنياهو؟
فضحك وقال: “نتنياهو يمكنه ان يكون راضيا. فقد استغل كل ما اعطاه اياه ترامب ووفر على نفسسه كل ما كان من شأن ترامب ان يفعله له في الولايات الثانية. ترامب قال ايضا في محادثات شخصية، وعلنا ايضا بانه يعتزم التوصل الى اتفاق مع ايران. فهل تعتقد بأن مثل هذا الاتفاق كان سيكون جيدا لاسرائيل”.
سألت شخصا آخر يعرف بايدن جيدا كيف سيكون بايدن. فقال: “توجد لكم مشكلة مع بايدن بالنسبة لايران. فهو لم ينسى ما فعله نتنياهو باوباما. وهو سيستأنف الاتصالات مع الايرانيين في محاولة لترميم الاتفاق.
“اما الفلسطينيون فلن يكونوا على جدول اعماله. ليس بمبادرته. ولكن انتخاب بايدن سيعطي ذريعة جيدة لابو مازن لاستئناف الاتصالات مع الاميركيين، للعودة لتلقي المال، وربما ايضا لاستئناف التعاون الامني مع اسرائيل. نتنياهو يمكنه ان ينسى صفقة القرن لترامب. فقد ماتت. تلقى اسنادا من ترامب لكل خطواته في الضفة. اما بايدن فلن يسمح له بالتمتع بالشك”. فقد قلت ان صفقة القرن صفاها أنتجت التطبيع مع دول عربية.
فقال “غير صحيح”، والطموح لتطبيع مع دول عربية أخرى الضم يحول دونه لذلك اضطر نتنياهو لالغاء أو تجميد الضم فلا توجد وجبات مجانية. الاذن لبناء فلسطيني في المنطقة ج، ربما. توجد امكانيات اخرى. بايدن سيعود الى حل الدولتين. نتنياهو لا يمكنه أن يغير الواقع في منطقة القدس (المحتلة) وفي غور الادن”. فقلت ان بايدن لن يلغي الاعتراف بالقدس كعاصمة لاسرائيل. فقال: “صحيح. لا يوجد ما يبرر ذلك”.
ماذا سيحصل لصفقات سلاح
الاماراتيين والسعوديين، سألت.
قال قبل سنوات التقيت بايدن في القدس. فاجأني بمعرفته الواسعة عن الشرق الاوسط وعن السياسة الاسرائيلية. تأييده لاسرائيل كان نموذجيا للديمقراطيين من الجيل الذي ولد اثناء الحرب العالمية والكارثة. الالتزام بالفكرة، وليس الالتزام بالسياسة؛ الالتزام بالامن، وليس الاحتلال. موقف هذا الجيل من اسرائيل يختلف عن موقف الافنجيليين المبني على الايمان المسيحاني. “هم سيبيعونكم مقابل كرسي في المحكمة العليا”، قال لي بايدن في ذاك الحديث.
منذ ذلك الحين حصلت امور. في ثماني سنوات اوباما كان بايدن نائبا للرئيس. في هذه السنوات انفتحت هوة بين موقف بايدن من اسرائيل والموقف من نتنياهو. ومنذئذ قام جيل جديد في الحزب الديمقراطي، يشخص اسرائيل مع الاستعمار، الاحتلال والاخطر من ناحيته – مع ترامب. لقد أحرق نتنياهو او على الاقل سحق، العلاقات مع القوة الصاعدة في الحزب الديمقراطي. اما مع بايدن فسيتدبر أمره.