Table of Contents
منذ أن بدأ البشر في دراسة علم التشريح، كانت هناك حقيقة بيولوجية بديهية نعتقد جميعاً بصحتها: الأسنان مكانها الفم، ووظيفتها هي تمزيق الطعام أو طحنه. لكن الطبيعة، كما عودتنا دائماً، تمتلك طرقاً عجيبة لكسر القواعد وخلط الأوراق. في أعماق المحيطات، يسبح كائن غريب ينسف هذا المفهوم تماماً، حيث يمتلك أسناناً حقيقية، لا تنبت في فكيه فحسب، بل تبرز من منتصف جبهته لأغراض لا علاقة لها بالأكل.
عندما تكون “عضة الحب” في الجبهة
يُطلق على هذا الكائن اسم “القرش الشبح” أو سمكة الجرذ المرقطة (Spotted ratfish)، وهو كائن بحري يبدو وكأنه هرب من إحدى قصص الخيال العلمي. يمتلك ذكور هذه الأسماك بنية تشريحية غريبة تسمى “الممسك” (tenaculum)، وهي عبارة عن نتوء لحمي يقع في مقدمة الرأس بين العينين. لفترة طويلة، اعتقد العلماء أن النتوءات الشائكة الموجودة على هذا العضو ليست سوى نوع من الجلد الخشن أو الحراشف المتحورة.

لكن دراسة حديثة نشرت في دورية Proceedings of the National Academy of Sciences قلبت هذه الفرضية رأساً على عقب. فقد اكتشفت كارلي كوهين، عالمة الأحياء في مختبرات “فرايداي هاربور” بجامعة واشنطن، أن هذه النتوءات هي في الواقع “أسنان” حقيقية بكل ما تحمله الكلمة من معنى بيولوجي. وتستخدم هذه الأسنان الجبهية لغرض محدد جداً: التشبث بالأنثى أثناء عملية التزاوج، فيما يشبه “عضة حب” لكنها تأتي من الجبهة لا من الفم.
مخالب قطط أم أسنان؟
تنتمي أسماك الجرذ إلى مجموعة “الكيمايرات” (chimaeriformes)، وهي أقارب بعيدة لأسماك القرش، وتتميز بزعانف كبيرة تشبه الأجنحة تمنحها مظهراً شبحياً أثناء انزلاقها في الماء. وعلى عكس أسماك القرش التي يغطي جلدها حراشف خشنة تشبه ورق الصنفرة، تتمتع أسماك الجرذ بجلد أملس ولامع. الاستثناء الوحيد هو ذلك الهيكل الشائك في الجبهة.
“إنه لأمر مذهل حقاً أن نجد أسناناً حقيقية خارج الفم.. وكلما بحثنا أكثر، قد نجد المزيد منها”
تختلف هذه الأسنان الجبهية عن تلك الموجودة في الفكين؛ فهي لا تبرز بشكل مستقيم، بل تنحني مثل مخالب القطط، وتكون قابلة للسحب والاختفاء داخل شق لحمي عندما لا تكون قيد الاستخدام. تقول كوهين معلقة على هذا الاكتشاف غير المسبوق: “إنه لأمر مذهل حقاً أن نجد أسناناً حقيقية خارج الفم”. وتعد هذه الدراسة أول توثيق علمي لوجود أسنان فعلية لدى الفقاريات في مكان آخر غير التجويف الفموي.
دليل وراثي قاطع
لم يعتمد الفريق البحثي على المظهر الخارجي فقط لإطلاق حكمهم. فقد استخدموا تقنيات التصوير ثلاثي الأبعاد لفحص عينات من أسماك الجرذ في مراحل عمرية مختلفة. أظهرت النتائج أن هذه الأشواك الجبهية تنمو وتتطور من نسيج يُعرف بـ “الصفيحة السنية” (dental lamina)، وهو نفس النسيج الذي تنشأ منه الأسنان العادية في الفم.

والأكثر إثارة، أن التحليل الجيني أثبت نشاط جينات خاصة بتكوين الأسنان في تلك المنطقة من الجبهة. هذا الدليل البيولوجي دحض النظرية القديمة التي كانت تصنف هذه النتوءات على أنها مجرد بقايا تطورية لجلد خشن أو حراشف جلدية (dermal denticles) شائعة لدى أسلاف القروش.
جذور ضاربة في القدم
يبدو أن وجود الأسنان في أماكن غير متوقعة ليس طفرة حديثة، بل له جذور في السجل الأحفوري. يشير الفريق البحثي إلى أن أحد الأسلاف القدامى لأسماك الجرذ كان يمتلك هياكل مشابهة تشبه الأسنان على جبهته، مما يرجح أن هذه السمة التطورية كانت موجودة منذ زمن بعيد ولكن لم يتم التعرف عليها بدقة سابقاً.

البحر لا يزال يخفي أسراره
قد يتساءل البعض: كيف غابت هذه الحقيقة عن العلماء طوال هذه العقود؟ الإجابة تكمن في طبيعة حياة هذه الكائنات. تعيش أسماك الجرذ عادة في أعماق سحيقة تصل إلى 1000 متر، مما يجعل دراستها أمراً شاقاً. لكنها تصعد أحياناً إلى المياه الضحلة، كما يحدث في مياه “بوجيت ساوند” بولاية واشنطن للتكاثر، مما منح كوهين وفريقها فرصة ذهبية لفحصها عن قرب.
تفتح هذه الدراسة الباب أمام احتمالات واسعة ومثيرة. فإذا كانت الطبيعة قد سمحت بظهور أسنان في الجبهة، فما هي الأماكن الأخرى التي قد تختبئ فيها الأسنان؟ تختتم كوهين حديثها بنظرة فلسفية علمية: “المحيط واسع جداً.. وإذا كنا منفتحين على فكرة وجود أسنان خارج الفم، فكلما بحثنا أكثر، وجدنا المزيد من العجائب”. يبدو أننا بحاجة لإعادة تعريف ما نعرفه عن حدود التشريح في عالم البحار.